في 6 فبراير 2026 استضاف سان سيرو حفل افتتاح أولمبياد ميلانو-كورتينا الشتوي. كانت تلك، على الأرجح، آخر مرة يقف فيها الملعب على مسرح عالمي بهذا الحجم. فبعد أشهر قليلة من الحفل، بدأت أولى أعمال الهدم في محيطه، تمهيدًا لملعب جديد يحل مكانه قبل نهاية العقد. هذه المقالة تشرح ملعب سان سيرو: تاريخه وسعته وموقعه، ولماذا قرر ناديان متنافسان أن يهدما بيتهما المشترك.
الموقع والاسم
يقع الملعب في حي سان سيرو غرب ميلانو، على بعد نحو ستة كيلومترات من مركز المدينة، وهو حي أعطى الملعب اسمه الشائع.
أما الاسم الرسمي فهو ملعب جوزيبي مياتزا، نسبة إلى المهاجم الذي لعب للناديين معًا وفاز بكأس العالم مع إيطاليا مرتين في الثلاثينيات. ولهذا التفصيل دلالة تتجاوز التسمية: مياتزا هو أحد الأسماء القليلة التي يقبلها جمهورا ميلان وإنتر معًا، والملعب نفسه كذلك.
في الوثائق الرسمية والتغطيات الإيطالية يُستخدم اسم مياتزا، بينما تستخدم التغطيات العالمية اسم سان سيرو. والاسمان يشيران إلى المبنى نفسه.
السعة وتكوين المدرجات
تبلغ سعة سان سيرو أكثر من 75 ألف متفرج، ما يجعله من أكبر ملاعب أوروبا وأكبر ملعب أندية في إيطاليا.
المبنى مكوّن من ثلاث حلقات متراكبة، أُضيفت الثالثة منها استعدادًا لكأس العالم 1990 مع أبراج حلزونية ضخمة في الزوايا وسقف معلق فوق المدرجات. هذا التصميم هو ما منح الملعب شكله المميز الذي صار علامة بصرية لكرة القدم الإيطالية.
أشهر مدرجين هما كورفا سود التي يشغلها جمهور ميلان، وكورفا نورد التي يشغلها جمهور إنتر. وفي مباريات الديربي تتحول المدرجتان إلى واجهتين متقابلتين داخل الملعب نفسه، وهو مشهد نادر لا يتوفر إلا في الملاعب المشتركة.
ملعب لناديين: كيف بدأت القصة
بُني الملعب في العشرينيات بمبادرة من رئيس ميلان آنذاك، ولعب فيه النادي منذ 1926.
أما إنتر فكان يلعب في ملعب آخر داخل المدينة، ولم ينتقل إلى سان سيرو إلا عام 1947. ومنذ ذلك التاريخ يتقاسم الناديان المبنى نفسه، بحيث يلعب أحدهما على أرضه في أسبوع والآخر في الأسبوع التالي.
الترتيب ناجح تشغيليًا ومكلف رياضيًا في الوقت ذاته. فهو يوزّع تكاليف الصيانة على جهتين، لكنه يعني أيضًا أرضية تُستخدم ضعف ما تُستخدم عليه أرضيات الملاعب الأخرى، وهوية بصرية يجب إعادة تركيبها قبل كل مباراة، وإيرادات تجارية لا يستطيع أي من الناديين احتكارها.
لماذا صار الهدم مطروحًا
المبنى لم يخضع لتحديث شامل منذ كأس العالم 1990. وخلال العقود التالية تقدّمت معايير الملاعب في إنجلترا وإسبانيا وألمانيا بسرعة، بينما ظل الدوري الإيطالي متأخرًا في إيرادات يوم المباراة والمرافق التجارية.
ثم جاءت الضربة الحاسمة من الاتحاد الأوروبي، الذي اعتبر سان سيرو غير صالح لاستضافة مباريات بطولة أمم أوروبا 2032 بوضعه الحالي. هذا التقييم حوّل النقاش من "هل نجدد؟" إلى "متى نبني؟".
درس الناديان في البداية خيار الترميم، ثم فكّر كل منهما في بناء ملعب خاص به. وانتهى الأمر إلى العودة إلى الخيار الأصلي: مشروع مشترك، كما كان الحال طوال ثمانية عقود.
صفقة 197 مليون يورو
في 30 سبتمبر 2025 أعلن الناديان أن مجلس مدينة ميلانو منح موافقة مبدئية على بيع الملعب والأراضي المحيطة به.
اكتملت الصفقة في نوفمبر 2025 بقيمة تقارب 197 مليون يورو، وشملت مساحة إجمالية تبلغ نحو 281 ألف متر مربع. بذلك انتقل سان سيرو من ملكية البلدية إلى ملكية الناديين، وهو تحول جوهري في نموذج إدارة الملاعب الإيطالية التي ظلت تاريخيًا مملوكة للبلديات.
قبل ذلك بعامين، كان الملعب قد نجا من الهدم حين اعترفت اللجنة الإقليمية للتراث الثقافي في لومبارديا بقيمته الثقافية، وهو اعتراف يفرض قيودًا على التصرف في المبنى ويظل حاضرًا في النقاش حتى اليوم.
الملعب الجديد: 71,500 مقعد
سيُبنى الملعب الجديد بجوار القديم، بتصميم من مكتبَي فوستر آند بارتنرز ومانيكا، وبسعة تبلغ 71,500 مقعد.
التصميم المعلن يقوم على حلقتين كبيرتين مع زوايا رؤية محسّنة، والتكلفة التقديرية للمشروع تقارب 1.5 مليار يورو. ويمتد التطوير إلى المنطقة المحيطة بالكامل، مع مساحات تجارية وفنادق ووحدات سكنية ومساحات خضراء، ضمن المنطق نفسه الذي تتبعه الأندية الأوروبية الكبرى اليوم: ملعب يعمل طوال العام لا مرة كل أسبوعين.
ووفق الجدول الزمني المتداول، من المقرر أن يبدأ بناء الملعب الجديد في خريف 2027 وينتهي في خريف 2030، على أن يُفتتح في ديسمبر 2030. أما هدم مياتزا فمقرر بين 2031 و2032، مع الإبقاء المحتمل على جزء من الحلقة الثانية لأسباب تراثية.
لحظات صنعت سمعة الملعب
استضاف سان سيرو نهائيات أوروبية كبرى عبر عقود، من بينها نهائيات كأس الأندية الأوروبية البطلة في الستينيات والسبعينيات، ثم نهائيا دوري أبطال أوروبا في 2001 و2016.
كما استضاف مباريات في كأس العالم 1990، بما فيها مباراة الافتتاح، وكان الحدث الذي دفع إلى بناء الحلقة الثالثة والسقف الحالي.
لكن ما رسّخ سمعته فعليًا ليس النهائيات بل الليالي العادية: مباريات دوري أبطال أوروبا التي يملأ فيها الجمهور الحلقات الثلاث، وديربي ميلانو الذي تحوّل مرارًا إلى مواجهات حاسمة بين الناديين في البطولة نفسها.
أرقام سريعة عن سان سيرو
الاسم الرسمي: ملعب جوزيبي مياتزا
سنة الافتتاح: 1926
السعة: أكثر من 75 ألف متفرج
التكوين: ثلاث حلقات متراكبة
الناديان: ميلان منذ 1926 وإنتر منذ 1947
قيمة صفقة البيع: نحو 197 مليون يورو
الملعب الجديد: 71,500 مقعد بتكلفة تقارب 1.5 مليار يورو
المعارضة والنزاعات القانونية
المشروع لا يسير في طريق ممهد. فقد رُفعت خمسة طعون من جمعيات سكان ومجموعات مدنية أمام المحكمة الإدارية الإقليمية في لومبارديا، تعترض على عملية البيع.
المحور الأساسي في هذه الطعون هو ما إذا كانت قيمة الملعب والأراضي المحيطة قد قُدّرت بأقل من قيمتها الحقيقية. كما طالب حزب معارض في المدينة بإلغاء الصفقة، ووجّهت أصوات داخل المجلس البلدي انتقادات لغياب الشفافية في الإجراءات.
هناك أيضًا عقبة بيئية. أظهرت مسوحات جيولوجية في الأرض المخصصة للملعب الجديد مستويات تلوث تتجاوز الحدود القانونية. ورغم تأكيد الجهات المنفذة أن الملوثات لا تمثل خطرًا صحيًا مباشرًا، فإن الأرض تحتاج إلى معالجة قبل بدء البناء.
من يملك ماذا الآن
بعد اكتمال الصفقة صار الناديان مالكين مناصفة للملعب والأرض المحيطة به، وهو ترتيب يفرض عليهما إدارة مشتركة لمشروع بمليارات اليورو رغم كونهما أشد المتنافسين في المدينة.
الترتيب المعتاد في مثل هذه الحالات هو إنشاء كيان مستقل يتولى التطوير والتشغيل نيابة عن الطرفين، بحصص متساوية وقرارات تُتخذ بالتوافق. وهذا يحل مشكلة إدارية لكنه يخلق أخرى: أي خلاف بين الناديين يعطّل المشروع كله.
التجربة السابقة تدعو إلى الحذر. فقد سبق للناديين أن اختلفا على شكل المشروع ومكانه أكثر من مرة خلال السنوات الماضية، وتراجع كل منهما عن فكرة الملعب المنفرد بعد دراسات مطولة.
أولى علامات التغيير
في يونيو 2026 هُدم شباك التذاكر التاريخي في الجهة الجنوبية، وهو مبنى صغير أُنشئ استعدادًا لكأس العالم 1990 وفقد وظيفته منذ سنوات. وقد أُغلقت المنطقة المحيطة به وسُيّج الموقع تمهيدًا لإقامة مرفق مؤقت لخدمات الجماهير.
كما أُغلقت حديقة قريبة من الملعب للسماح بأعمال المعالجة البيئية في الأرض المخصصة للمشروع.
بالنسبة لمؤيدي المشروع، هذه أعمال تحضيرية روتينية. أما بالنسبة لمعارضيه، فهي أول خطوة ملموسة في طريق اختفاء الملعب.
سان سيرو في الأولمبياد الشتوي
في 6 فبراير 2026 استضاف الملعب حفل افتتاح دورة الألعاب الأولمبية الشتوية ميلانو-كورتينا، وهي مفارقة لافتة: ملعب كرة قدم في مدينة كبرى يفتتح دورة شتوية تقام معظم منافساتها في جبال الألب.
السبب عملي بحت. لا توجد في المنطقة الجبلية منشأة تتسع لعشرات الآلاف، بينما يوفر سان سيرو السعة والبنية التحتية وشبكة النقل اللازمة لحدث بهذا الحجم.
وبالنسبة للمدينة كان الحفل وداعًا مبكرًا. فالمبنى الذي شاهده العالم في تلك الليلة من المقرر أن يختفي خلال السنوات الست المقبلة، وأن يحل مكانه مبنى آخر يحمل الوظيفة نفسها والاسم نفسه تقريبًا.
ماذا يخسر الناديان وماذا يكسبان
الخسارة واضحة ومعنوية: مبنى ارتبط بأعظم لحظات الناديين في أوروبا، وأجواء ديربي وُصفت لعقود بأنها من الأصعب على الفرق الزائرة في القارة.
أما المكسب فمالي وهيكلي. الملعب الحديث المملوك للنادي يضاعف إيرادات يوم المباراة عبر الضيافة والمرافق التجارية، ويمنح النادي سيطرة كاملة على استخدام المبنى خارج أيام المباريات. وهذا تحديدًا ما يفصل بين الأندية الإيطالية ومنافسيها في الدوريات الأخرى منذ سنوات.
المفارقة أن الحل المطروح يكرر المشكلة القديمة: ملعب واحد لناديين متنافسين، بكل ما يعنيه ذلك من تعقيد في الملكية والتشغيل وهوية المكان.
ماذا يعني هذا لبقية الدوري الإيطالي
قرار ميلان وإنتر لا يخصهما وحدهما. فالدوري الإيطالي يعاني منذ سنوات من فجوة في إيرادات يوم المباراة مقارنة بالدوريات الإنجليزية والإسبانية والألمانية، ومصدر هذه الفجوة ملاعب قديمة مملوكة لبلديات ولا تديرها الأندية.
تحوّل أكبر ملعب في البلاد إلى الملكية الخاصة يمثل سابقة إدارية وقانونية سيستند إليها غيره. وهناك بالفعل أندية إيطالية أخرى تسير في مسارات مشابهة، بين بناء ملاعب جديدة وتجديد ملاعب قائمة، وكلها تصطدم بالعقبات نفسها: التراث، والإجراءات، والاعتراضات المحلية.
الفارق أن ميلانو تملك ورقة ضغط لا تملكها مدن أخرى: موعد بطولة أمم أوروبا 2032 الذي يفرض جدولًا زمنيًا لا يقبل التأجيل.
زيارة الملعب
ما دام سان سيرو قائمًا، فهو من أكثر الملاعب زيارة في أوروبا. تتوفر جولات داخلية تشمل غرف الملابس والنفق والمدرجات، إلى جانب متحف يعرض مقتنيات الناديين معًا.
يصل الزائر إلى الملعب عبر خط المترو المخصص الذي يقف قرب المبنى مباشرة، وهو الخيار الأسرع في أيام المباريات، إضافة إلى خطوط ترام وحافلات تخدم المنطقة.
وفي السنوات القليلة المقبلة سيحمل هذا المسار طابعًا مختلفًا: زيارة مبنى يُعرف تاريخ نهايته تقريبًا، بينما يرتفع بديله على بعد أمتار.
0 تعليقات