اللوحة التي تغطي مدرجًا كاملًا وتظهر لثوانٍ قبل صافرة البداية ليست انفعالًا لحظيًا.
خلفها أسابيع من العمل: تصميم يُرسم مسبقًا، وقماش ومواد تُشترى بأموال تُجمع من المشجعين أنفسهم، ومستودع سري للتنفيذ، وخطة توزيع تحدد أي متفرج يرفع أي قطعة وفي أي ثانية، وتمرين على التزامن، وسرية مشددة حتى لا يتسرب التصميم قبل موعده.
هذا هو الفارق الجوهري الذي يغيب عن معظم ما يُكتب عن هذه الثقافة: التيفو ليس حماسًا، بل إنتاج منظّم له ميزانية وهيكل ولوجستيات. وفهم آلية عمله يفسر كل ما تبقى.
من أين جاءت الكلمة؟
"ألتراس" من اللاتينية بمعنى "ما وراء" أو "إلى أبعد من"، أي الذهاب إلى ما بعد التشجيع المعتاد.
"تيفوزي" هي الكلمة الإيطالية للمشجعين، ومشتقة من اسم مرض التيفوس، لأن الحالة التي تنتاب الجمهور شُبّهت بالحمى.
"كورفا" تعني المنحنى، وهي المدرجات المنحنية خلف المرمى، حيث تتمركز هذه المجموعات تقليديًا.
"كابو" هو قائد الهتاف، الذي يقف مديرًا ظهره للملعب طوال المباراة، موجهًا المدرج بمكبر صوت.
هذه المفردات الأربع انتقلت كما هي إلى لغات كثيرة، وهو مؤشر على أن الثقافة نفسها انتقلت بمنشئها الإيطالي.
إيطاليا: نقطة الأصل
بدأت الملامح الأولى في إيطاليا بعد الحرب العالمية الثانية. ومن أوائل المجموعات الموثقة مجموعة تابعة لنادي تورينو تأسست عام 1951، وقدّمت شكلًا منظمًا للتشجيع يختلف عن الحضور العادي.
لكن التبلور الحقيقي جاء في أواخر الستينيات، بالتزامن مع صعود الأندية الإيطالية أوروبيًا. حينها ظهرت هوية "الألتراس" صراحةً، وتحولت الكورفا إلى منطقة ذات حكم ذاتي شبه كامل: المجموعات تموّل نفسها، وتنظم صفوفها، وتتفاوض مع الأندية من موقع قوة.
وفي السبعينيات ترسخت الطقوس المميزة: القفز الجماعي المتزامن، واللافتات الضخمة، والتيفو المصمم، والأناشيد الموحدة. ومن هنا انتقل النموذج إلى بقية أوروبا.
كيف انتشر النموذج؟
الانتشار لم يكن عبر الإعلام وحده، بل عبر التماس المباشر:
فرنسا كانت من أوائل الوجهات، بحكم القرب الجغرافي وحركة الهجرة، وتأسست فيها مجموعات على النمط الإيطالي منذ منتصف الثمانينيات.
ألمانيا شهدت تأسيس مجموعات أولى في منتصف الثمانينيات أيضًا، بعضها على يد مشجعين من أصول إيطالية، قبل أن تتطور لاحقًا إلى واحدة من أقوى مشاهد التشجيع في العالم.
أوروبا الوسطى والشرقية والبلقان واليونان وتركيا استقبلت النموذج بقوة في التسعينيات، ووجد فيها أرضًا خصبة بسبب الهويات المحلية القوية والتوترات الاجتماعية.
وفي كل بلد، امتزج النموذج الإيطالي بتقاليد محلية سابقة، فأنتج أشكالًا مختلفة لا نسخة واحدة مكررة.
البيروتكنيك: الجدل الذي لا ينتهي
الشعلات والقنابل الدخانية هي أكثر عناصر هذه الثقافة إثارة للخلاف.
الموقف القانوني واضح: استخدامها محظور في معظم الملاعب الأوروبية، ويخضع لعقوبات من الاتحادات المحلية والقارية، وتتلقى الأندية غرامات متكررة بسببه.
الأسباب موثقة أيضًا: خطر الحروق، وتهيج الجهاز التنفسي من الجسيمات المنبعثة، واحتمال إثارة الذعر في تجمع بشري كثيف.
وجهة نظر المجموعات أن هذه المواد جزء من الطقس نفسه ورمز للاستعداد لتحمل المخاطرة، ووسيلة لتأكيد استقلالية المدرج عن سلطة الإدارة.
والواقع أن هذا الخلاف لم يُحسم منذ أربعين عامًا: الحظر قائم ومطبق، والاستخدام مستمر رغم الغرامات. وقد جرّبت بعض الاتحادات مسارات وسطى عبر السماح بمواد أقل خطورة في ظروف محددة، لكن دون تعميم.
الوقوف في المدرجات: من الحظر إلى العودة المنظمة
لا يمكن فهم هذه الثقافة دون فهم مسألة الوقوف، لأن التشجيع المنظم يحتاج كتلة واقفة متلاصقة لا صفوفًا من المقاعد.
في إنجلترا، فُرض نظام المقاعد الكاملة في الدرجتين الأوليين بعد كارثة هيلزبره عام 1989 التي راح ضحيتها 97 شخصًا، وطُبق إلزاميًا اعتبارًا من أغسطس 1994.
ثم جاءت المراجعة. بدأت تجربة محدودة في خمسة أندية مطلع 2022، ثم سُمح لأندية الدرجتين الأوليين بتقديم مناطق وقوف مرخصة اعتبارًا من موسم 2022-2023. والحل التقني كان "المقاعد ذات القضبان"، وهي مقاعد قابلة للطي مزودة بحاجز أمامي مستقل يحمي الواقف.
والنتيجة: بلغ عدد الملاعب الحاصلة على ترخيص مناطق وقوف في إنجلترا 39 ملعبًا بحلول يناير 2026. ولا يزال التوسع مستمرًا، إذ أضاف ملعب ويمبلي عشرة آلاف مكان وقوف إضافي قبل موسم 2026.
في ألمانيا لم يُطبق هذا الحظر أصلًا، ولهذا احتفظت الملاعب الألمانية بمدرجات وقوف ضخمة، وهو أحد أسباب تفوق أجوائها.
والمفارقة أن عودة الوقوف إلى إنجلترا جاءت بعد استطلاعات أظهرت أن أكثر من 90% من المشجعين يريدون حرية الاختيار، وبعد اعتراف بأن الوقوف في مناطق مخصصة للجلوس كان بحد ذاته مصدر خطر أكبر.
الوجه الآخر: ما لا يجوز تجميله
أي تناول أمين لهذه الثقافة لا يمكن أن يقتصر على اللوحات والأناشيد.
العنف. ارتبطت مجموعات في دول عديدة بأحداث عنف داخل الملاعب وخارجها، وبلغت ذروة تاريخية في إيطاليا عام 2007 بأحداث أدت إلى وفيات ودفعت إلى إصلاحات تنظيمية واسعة، شملت حظر جماهير الزيارة وتشديد قواعد البيروتكنيك.
الاختراق الإجرامي. في بعض الحالات الموثقة، تحولت المجموعات إلى كيانات ذات مصالح مالية في التذاكر ومواقف السيارات وبيع المنتجات، مع صلات بشبكات إجرامية. وقد شهدت إيطاليا حوادث تدخلت فيها قيادات مجموعات في سير مباريات كبرى بصورة مباشرة.
التسييس والرموز المتطرفة. بعض المجموعات تحمل توجهات سياسية صريحة، ووقعت حالات تضمنت رموزًا قومية متطرفة أو رسائل استفزازية، ما جعل التيفو نفسه موضوع عقوبات لا احتفاء.
رد الفعل التنظيمي. ولّدت هذه الحوادث منظومة رقابية شملت حظر دخول أفراد بعينهم، وتعليق التيفو ومكبرات الصوت في حالات معينة، وربط العقوبات بمعلومات عن انتماءات المجموعات.
لماذا الخصومة الدائمة مع الإدارة؟
من أكثر السمات ثباتًا في هذه الثقافة موقفها المعادي لتسليع كرة القدم، وهو ليس شعارًا بل موقف عملي يظهر في:
أسعار التذاكر، وحملات متكررة ضد رفعها.
مواعيد المباريات المحددة وفق التوقيتات التلفزيونية لا وفق راحة الجمهور الحاضر.
تحويل المدرجات الشعبية إلى مساحات ضيافة، وهو ما يقلص المناطق التي تعمل فيها هذه المجموعات.
ملكية الأندية وما يترتب عليها من قرارات تُتخذ بعيدًا عن الجمهور المحلي.
والسبب الجوهري أن هذه المجموعات تعرّف نفسها بوصفها جزءًا من النادي لا زبائن لديه، ولذلك ترى أن لها حق الاعتراض لا حق الشراء فقط.
التيفو كفن بصري: كيف تطورت التقنيات
بدأت اللوحات لافتات قماشية بسيطة تحمل اسم المجموعة. وما وصلت إليه اليوم أقرب إلى فن العروض:
الفسيفساء البشرية، وتعتمد على توزيع بطاقات ملونة على آلاف المقاعد بحيث تشكل صورة واحدة عند رفعها في اللحظة نفسها. وتتطلب حسابًا هندسيًا دقيقًا لأن الصورة تُرى من زاوية الكاميرا لا من زاوية حاملها.
اللوحات المتحركة، وهي أقمشة ضخمة تُسحب فوق المدرج بأكمله عبر بكرات، وقد تتجاوز مساحتها آلاف الأمتار المربعة.
اللوحات متعددة الطبقات، حيث تكشف كل طبقة عن أخرى بترتيب زمني يروي قصة على مدى دقيقتين.
الإضاءة المنظمة، باستخدام مصادر ضوء صغيرة بديلة عن الشعلات المحظورة، لتحقيق الأثر البصري ضمن القانون.
وفي كل هذه الأشكال، يبقى العنصر الحاسم هو التزامن. فالتيفو الذي يُرفع نصفه في الوقت الصحيح لا يُقرأ.
من أين تأتي الأموال؟
استقلالية هذه المجموعات عن الأندية ليست شعارًا فقط، بل مرتبطة بمصادر تمويلها الذاتية:
اشتراكات الأعضاء ومساهمات تُجمع في المدرج نفسه.
بيع المنتجات من أوشحة وقمصان ومطبوعات تحمل شعار المجموعة لا شعار النادي.
تنظيم رحلات الجماهير إلى المباريات الخارجية.
وهذا الاستقلال المالي هو مصدر قوة المجموعات التفاوضية تجاه الأندية. وهو في الوقت نفسه مصدر أحد أخطر مشكلاتها، إذ تحولت هذه الأنشطة في حالات موثقة إلى مصالح مالية كبيرة فتحت الباب أمام صراعات داخلية واختراق من خارج المدرج.
إلى أين تتجه هذه الثقافة؟
ثلاثة اتجاهات متناقضة تعمل في الوقت نفسه:
التضييق التنظيمي مستمر ومتصاعد، عبر المراقبة وقواعد السلامة والعقوبات المالية.
الانتشار الجغرافي مستمر أيضًا، وقد وصل النموذج إلى بطولات ومناطق لم يكن حاضرًا فيها قبل عقدين.
التأقلم التقني يظهر في اتجاه بعض المجموعات إلى بدائل بصرية مسموح بها ــ لوحات ضخمة، وبطاقات ملونة، وإضاءة منظمة ــ تحقق الأثر البصري دون مخالفة القانون.
والأرجح أن تستمر هذه الثقافة، لأنها تلبي حاجة لا يوفرها أي عنصر آخر في الملعب الحديث: انتماء جماعي فعّال في تجربة تتجه أكثر فأكثر نحو الاستهلاك الفردي المريح. لكن شكلها سيظل يتغير تحت ضغط اللوائح، كما تغيّر مرارًا منذ الستينيات.
0 تعليقات