ملعب سانت جيمس بارك: الملعب الذي يقف في قلب المدينة
في بداية موسم 2026-2027، أكّد الدوري الإنجليزي الممتاز السعة الرسمية لملعب سانت جيمس بارك: 52,264 متفرجًا، بزيادة سبعة مقاعد عن الموسم السابق.
سبعة. لا سبعة آلاف.
هذا الرقم الصغير يلخص أكثر من أي شيء آخر وضع أحد أشهر ملاعب إنجلترا. فنيوكاسل يونايتد نادٍ يملكه صندوق سيادي، ويلعب في ملعب ممتلئ في كل مباراة تقريبًا، وقائمة انتظار تذاكره الموسمية طويلة. ومع ذلك تظل سعته عالقة عند حدود تجاوزها منذ عام 2000. والسبب ليس المال، بل الجغرافيا.
ملعب داخل المدينة، لا على أطرافها
يقف سانت جيمس بارك على تلة في قلب نيوكاسل أبون تاين، فوق وادي نهر التاين مباشرة، على بُعد دقائق سيرًا على الأقدام من شارع التسوق الرئيسي ومن محطة القطار المركزية. له محطة مترو تحمل اسمه، وتحيط به شوارع سكنية وحانات ومبانٍ جامعية.
هذا الموقع استثنائي في كرة القدم الحديثة. أغلب الملاعب الإنجليزية الكبرى التي بُنيت أو أُعيد بناؤها خلال الثلاثين سنة الأخيرة انتقلت إلى أطراف المدن، حيث الأرض أرخص ومواقف السيارات أوسع. أما سانت جيمس فبقي حيث هو منذ 1892، وسقفه الأبيض الضخم مرئي من نقاط كثيرة في المدينة.
والنتيجة أن يوم المباراة في نيوكاسل لا يبدأ عند بوابة الملعب. يبدأ في وسط المدينة نفسه، الذي يتحول تدريجيًا خلال ساعات إلى امتداد للمدرجات.
الأرض التي لا يملكها النادي
من أغرب تفاصيل هذا الملعب أن النادي لا يملك الأرض التي يقف عليها ملكية مطلقة. فالموقع جزء من أراضي تاون مور التاريخية، وملكيته مرتبطة بمجلس المدينة وبـ"أحرار مدينة نيوكاسل"، وهي هيئة تاريخية تعود جذورها إلى قرون مضت، ويعمل النادي بنظام إيجار طويل الأمد.
وقد نُقل عقد الإيجار الممتد 72 عامًا إلى شركة قابضة يملكها مساهمو النادي، في خطوة وصفها المدير المالي بأنها إعادة ترتيب للأصول العقارية لتسهيل أي تطوير مستقبلي وتمويله، سواء في سانت جيمس بارك أو في ملعب جديد.
هذا التفصيل القانوني ليس هامشيًا. فهو أحد أسباب تعقيد أي قرار توسعة، لأن أي تغيير في حدود الملعب يمس أرضًا ذات وضع تاريخي خاص ويحتاج موافقات تتجاوز النادي ومجلس المدينة.
لماذا يبدو الملعب غير متماثل
أول ما يلاحظه المشاهد الجديد أن مدرجات سانت جيمس بارك غير متساوية الارتفاع بشكل صارخ. جانب واحد يرتفع كجدار هائل، والجانب المقابل والمدرج خلف إحدى المرميين منخفضان بتدرج واحد.
هذا ليس اختيارًا جماليًا، بل نتيجة قيود مادية:
ليزيس تيراس، وهي صف مبانٍ جورجية يعود إلى عام 1830 ومصنّف من الدرجة الأولى ضمن المباني المحمية في بريطانيا، تقع ملاصقة لأحد جوانب الملعب. رفع المدرج المقابل لها يعني حجب الضوء عنها، وهو ما لا تسمح به قوانين الحماية.
متنزه ليزيس الفيكتوري من جهة أخرى، وهو مساحة عامة خضراء.
أنفاق المترو التي تمر تحت منطقة الجالوجيت، ما يجعل التوسع في ذلك الاتجاه مشكلة هندسية لا مجرد مسألة تصاريح.
وقد حاول النادي تجاوز هذه القيود أكثر من مرة عبر الانتقال الكامل: مقترحان في أواخر الستينيات، ومقترح مثير للجدل عام 1995 بالانتقال إلى متنزه ليزيس المجاور بملعب مستوحى من سان سيرو. كلها سقطت، فبقي الحل الوحيد هو البناء إلى أعلى في الجهتين المسموح بهما فقط. ومن هنا جاء الشكل الملتوي الذي صار علامته المميزة.
من أرض رعي إلى أحد أكبر ملاعب إنجلترا
لُعبت كرة القدم في هذا الموقع منذ 1880، حين كانت المنطقة أرض رعي. وفي 1892 اندمج ناديا نيوكاسل إيست إند ونيوكاسل ويست إند، وتولى الكيان الجديد ــ نيوكاسل يونايتد ــ عقد إيجار الأرض، وبدأ اللعب فيها بصفة دائمة.
ومنذ ذلك الحين والصراع مع الجيران مستمر. ففي 1898 طالب سكان محليون المجلس بإخراج النادي من الموقع بسبب ما وصفوه بإزعاج أيام المباريات. وفي 1899 استُؤجرت أربعة أفدنة إضافية ونُقل الملعب غربًا لزيادة مساحات الوقوف، لترتفع السعة الرسمية إلى 30,000 واقف.
ثم جاء مدرج رئيسي جديد عام 1905 ضاعف السعة إلى 60,000، وسقف بسيط فوق أحد الطرفين عام 1929، ثم سنوات طويلة من الرفض المتكرر لطلبات التوسعة.
نقطة التحول المعمارية جاءت بين 1971 و1973 مع بناء المدرج الشرقي بتصميم مكتب محلي متخصص في المنشآت الرياضية. جاء المدرج بأعمدة خرسانية مموّجة مائلة تستحضر الطابع الكلاسيكي لليزيس تيراس المجاور، بنسب محسوبة حتى لا يحجب عنها الضوء. وكان هذا المدرج أول تطوير كبير في الملعب منذ 1929، وأسهم في تهدئة العلاقة المتوترة بين النادي والمدينة.
التوسعة الكبرى الأخيرة جاءت بين 1998 و2000، حين أُعيد بناء مدرج ميلبيرن ومدرج ليزيس بطبقات إضافية وسقف كابولي ضخم، بتكلفة بلغت نحو 42 مليون جنيه إسترليني، ليصل الملعب إلى سعته الحالية التي تتجاوز 52 ألفًا بمقاعد كاملة.
المدرجات الأربعة
مدرج ميلبيرن على جانب شارع باراك رود، متعدد الطبقات ويضم المرافق الرئيسية.
مدرج ليزيس المعروف بمدرج السير جون هول، وهو الأضخم والأعلى، ويطل على المدينة من ارتفاع يجعل مقاعده العلوية من أعلى نقاط المشاهدة في الدوري الإنجليزي. سقفه الكابولي الأبيض كان من الأكبر من نوعه في أوروبا وقت بنائه.
المدرج الشرقي منخفض وذو تدرج واحد، للأسباب المشروحة أعلاه.
مدرج الجالوجيت خلف المرمى الجنوبي، ويحمل اسمه من مشانق المدينة القديمة التي استُخدمت آخر مرة عام 1844. وهو تقليديًا موطن الجمهور الأكثر صخبًا.
الأجواء: ما الذي يصنع صوت سانت جيمس
ثلاثة عوامل تتضافر هنا:
الانحدار الحاد للمدرجات. المدرجان الكبيران شديدا الانحدار، ما يقرّب الجمهور عموديًا من أرض الملعب ويحبس الصوت داخل الوعاء بدل تشتته.
قاعدة جماهيرية أحادية. نيوكاسل هي المدينة الكبرى الوحيدة في إنجلترا التي لا تضم أكثر من نادٍ كبير واحد، فالمنطقة كلها ــ وهي واسعة ــ تتجه إلى ملعب واحد.
الموقع نفسه. كون الملعب داخل المدينة يعني أن الجمهور يصل سيرًا من الحانات والشوارع المحيطة، فتصل الأجواء إلى ذروتها قبل صافرة البداية لا بعدها بربع ساعة.
واستضاف الملعب على مر السنين ما هو أبعد من كرة القدم: مباريات ضمن أولمبياد 2012، ومباريات كأس العالم للرجبي 2015، وحفلات موسيقية كبرى.
قرار معلّق منذ سنوات
منذ استحواذ صندوق الاستثمارات العامة السعودي على النادي، يدور نقاش مفتوح حول خيارين: توسعة سانت جيمس بارك إلى ما بين 60 و70 ألفًا، أو بناء ملعب جديد بسعة تقارب 70 ألفًا في موقع مجاور بمتنزه ليزيس.
ولم يُحسم القرار حتى الآن. وقد أعلن الرئيس التنفيذي للنادي صراحةً أن الإدارة "ليست جاهزة" لاتخاذه، وأن العمل عليه مستمر دون جدول زمني معلن. وكان النادي قد وعد بتحديث رسمي أكثر من مرة قبل أن يُؤجَّل.
العقبات متعددة: تعقيد الموقع، والتكلفة المقدرة بنحو مليار جنيه، وتقارير تشير إلى أن الملّاك لن يمولوا ملعبًا جديدًا بالكامل. يضاف إلى ذلك رفض شعبي واسع لفكرة البناء في متنزه ليزيس، إذ وقّع أكثر من 28 ألف شخص عريضة معارضة باعتباره أقدم متنزه عام في المدينة. كما أن استضافة الملعب لمباريات بطولة أوروبا 2028 تجعل أي أعمال إنشائية كبرى قبلها غير واردة عمليًا.
المدرج الشرقي: تراث معماري مهدد
من التطورات التي لا تصل عادةً إلى الصفحات الرياضية أن المدرج الشرقي ــ ذا الواجهة الخرسانية المموّجة المبني في السبعينيات ــ أُدرج ضمن قوائم المباني المعرضة للخطر لدى جمعيات الحفاظ على عمارة القرن العشرين في بريطانيا.
السبب أن هذا المدرج يُعد من الأمثلة المهمة على العمارة الرياضية البريطانية في تلك الحقبة. فقد أسهم مشروعه في وقته في تطوير أدلة السلامة في الملاعب بالتعاون مع الاتحاد الإنجليزي، وصُممت واجهته خصيصًا لتتحاور مع المبنى الجورجي المجاور بدل أن تصادمه.
المفارقة أن هذا المدرج تحديدًا هو الأقل ارتفاعًا والأكثر ترشحًا للهدم في أي سيناريو توسعة. أي أن القيد المعماري الذي شكّل الملعب في السبعينيات صار اليوم قيدًا مضاعفًا: مبنى محمي بجواره، ومدرج ذو قيمة تراثية بداخله.
لماذا لا يتكرر هذا النموذج
في العقود الثلاثة الأخيرة، اتبعت أغلب الأندية الإنجليزية الكبرى مسارًا واحدًا عند الحاجة إلى سعة أكبر: الانتقال إلى موقع أوسع قريب، أو إعادة بناء الملعب من الأساس في أرض مجاورة.
المنطق واضح. الأرض في أطراف المدن أرخص، والقيود التخطيطية أقل، وإمكانية تصميم ملعب متماثل مكتمل المرافق أعلى. والنتيجة جيل من الملاعب الإنجليزية الحديثة المتشابهة في الشكل والوظيفة.
سانت جيمس بارك سار عكس هذا التيار، ليس اختيارًا بقدر ما هو اضطرار. ومقابل ما خسره من سعة ومرافق، احتفظ بما تصعب استعادته: ملعب يمكن الوصول إليه سيرًا من قلب المدينة، ويشكل جزءًا من صورتها البصرية، ويجعل يوم المباراة حدثًا للمدينة كلها لا لمنطقة صناعية على أطرافها.
وهذه هي المقايضة الحقيقية التي يواجهها النادي اليوم، وسبب انقسام جمهوره حولها.
ماذا يعني هذا للزائر
من يخطط لحضور مباراة هنا، يفيده أن يعرف أن الملعب واحد من أسهل ملاعب إنجلترا وصولًا: قابل للسير من محطة القطار المركزية، وله محطة مترو مباشرة، ومحاط بخيارات وافرة للطعام والإقامة.
وفي المقابل، الحصول على تذكرة هو الجزء الصعب. فالسعة المحدودة مع الطلب المرتفع يجعلان التذاكر العامة نادرة، وهو ــ مرة أخرى ــ جوهر المشكلة التي عبّرت عنها زيادة السبعة مقاعد.
سانت جيمس بارك اليوم مفارقة قائمة: ملعب يملك كل المقومات للتوسع إلا المساحة، وناد يملك المال دون أن يملك الأرض بالكامل. وأي حل لهذه المعادلة سيغيّر شكل وسط مدينة نيوكاسل نفسه، لا شكل الملعب وحده.
0 تعليقات