بُني أنفيلد عام 1884 لفريق إيفرتون، لا ليفربول. وبعد ثماني سنوات خرج إيفرتون من الملعب إثر خلاف على الإيجار، فأسس مالك الأرض ناديًا جديدًا ليملأ المدرجات الفارغة، واسمه ليفربول. أشهر ملاعب إنجلترا وُلد من نزاع مالي، وصار بعد 140 عامًا المكان الذي تُقاس به أجواء المدرجات في أوروبا. هذه المقالة تشرح ملعب أنفيلد: موقعه وسعته وتاريخه، وكيف صنع مدرج الكوب هويته.
الموقع: ملعب داخل حي سكني
يقع أنفيلد في منطقة أنفيلد شمال مدينة ليفربول، محاطًا ببيوت من الطوب الأحمر على أربعة جوانب تقريبًا. المشي من أقرب شارع رئيسي إلى البوابات يمر بين صفوف من المنازل السكنية.
هذا التفصيل ليس عابرًا، لأنه يفسّر معظم ما حدث للملعب لاحقًا. كل توسعة في أنفيلد كانت مشروع تفاوض مع سكان الحي قبل أن تكون مشروع بناء، وبعضها تطلّب شراء بيوت كاملة وإعادة توجيه شارع.
كما أن هذا الموقع يصنع جزءًا من التجربة. الجمهور يصل إلى الملعب سيرًا عبر الأحياء، لا عبر مواقف سيارات واسعة، وهو ما يمنح ما قبل المباراة طابعًا مختلفًا عن الملاعب الحديثة المبنية في مناطق مفتوحة.
السعة بعد التوسعة الأخيرة
تبلغ السعة الرسمية لأنفيلد اليوم 61,276 متفرجًا، وهو خامس أكبر ملعب في الدوري الإنجليزي وفي إنجلترا عمومًا.
الرقم القياسي التاريخي للحضور في الملعب أعلى من ذلك، إذ بلغ 61,905 في مباراة أمام ولفرهامبتون واندررز بكأس الاتحاد في فبراير 1952، حين كانت المدرجات تسمح بالوقوف وتستوعب أعدادًا أكبر مما تسمح به المقاعد اليوم.
أما أعلى حضور في حقبة الدوري الإنجليزي الممتاز فسُجّل في موسم 2024-2025 بواقع 60,420 متفرجًا.
1884: ملعب بُني لفريق آخر
بدأت القصة حين لعب إيفرتون على أنفيلد من 1884 حتى 1892. وبعد الخلاف مع مالك الأرض جون هولدنغ، انتقل إيفرتون إلى جوديسون بارك، وبقي هولدنغ بملعب بلا فريق، فأسس ليفربول عام 1892.
منذ ذلك الحين لم يغادر ليفربول أنفيلد قط، رغم أن النادي درس فعليًا فكرة الانتقال إلى ملعب جديد في حديقة ستانلي القريبة خلال العقد الأول من الألفية، قبل أن يُلغى المشروع نهائيًا عام 2013 لصالح تطوير الملعب الحالي.
شهد الملعب تعديلات وتوسعات متكررة عبر عقود طويلة، بدءًا من نهاية القرن التاسع عشر ومرورًا بمراحل في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات والتسعينيات، قبل مشروعَي التطوير الكبيرين في العقد الأخير.
الكوب: كيف صُنع أشهر مدرج
المدرج الذي يحمل اسم سبيون كوب، أو "الكوب" اختصارًا، هو المدرج خلف إحدى المرميين، واسمه مستمد من معركة وقعت في جنوب إفريقيا مطلع القرن العشرين وقُتل فيها عدد كبير من أبناء المدينة.
في نسخته القديمة كان الكوب مدرج وقوف ضخمًا يستوعب عشرات الآلاف واقفين في كتلة واحدة. تحوّل إلى مقاعد في منتصف التسعينيات بعد تقرير تايلور، وفقد بذلك جزءًا من طاقته القديمة، لكنه احتفظ بسمعته.
ما يميز الكوب حتى اليوم أنه بقي مدرجًا من طبقة واحدة. الطبقة الواحدة تجمع الجمهور في كتلة بصرية وصوتية متصلة، بعكس المدرجات متعددة الطبقات التي تقسّم الصوت. لهذا يبقى الكوب المرجع الذي تُقاس عليه المدرجات الأخرى في أوروبا.
وقبل كل مباراة يؤدي الجمهور نشيد النادي "You'll Never Walk Alone"، وهو طقس بدأ في الستينيات بعد شيوع الأغنية في المدينة، وتحول إلى جزء ثابت من هوية الملعب.
شانكلي وبيزلي: كيف صار الملعب قلعة
لم يكن أنفيلد دائمًا مهيبًا. تحوّله إلى قلعة بدأ مع تعيين بيل شانكلي مدربًا عام 1959، حين كان ليفربول في الدرجة الثانية والملعب في حالة متواضعة.
شانكلي أعاد بناء النادي والمبنى معًا، ومن أشهر ما ارتبط باسمه لافتة "هذا هو أنفيلد" المعلّقة فوق نفق اللاعبين، التي وُضعت لتذكير لاعبي الفريق بما يمثله المكان وتذكير الخصوم بما ينتظرهم.
واصل بوب بيزلي المشروع بعده، وشهدت السبعينيات والثمانينيات أقوى حقب النادي أوروبيًا. هذه السنوات هي التي ثبّتت صورة أنفيلد في الوعي الكروي: ملعب يصعب الفوز فيه بغض النظر عن الفارق الفني.
بوابة شانكلي والنصب التذكاري
خارج الملعب تقف بوابة شانكلي، وهي مدخل حديدي يحمل اسم المدرب وعنوان نشيد النادي، وصارت نقطة تجمع ثابتة للزوار والمصورين.
وبجوارها يقع النصب التذكاري لضحايا كارثة هيلزبره عام 1989، التي فقد فيها 97 من مشجعي ليفربول حياتهم. النصب جزء أساسي من تجربة زيارة الملعب، ويوضع عنده الزهور والأوشحة على مدار العام.
الكارثة غيّرت كرة القدم الإنجليزية بالكامل، إذ قادت إلى تقرير تايلور الذي فرض تحويل ملاعب الدرجات العليا إلى مقاعد فقط، وهو القرار الذي أعاد تشكيل الكوب وكل مدرجات الوقوف في البلاد.
الليالي الأوروبية
عبارة "ليلة أوروبية في أنفيلد" صارت وصفًا متداولًا في الإعلام، ولها أساس واقعي في عدد من المباريات التي قلب فيها ليفربول نتائج بدت محسومة.
آلية هذه الأجواء ليست غامضة. الملعب مغلق نسبيًا، والمدرجات قريبة من أرضية اللعب، والسقف يحبس الصوت بدل أن يبدده. يُضاف إلى ذلك عامل التوقيت، إذ تقام المباريات الأوروبية مساءً في أجواء تختلف عن مباريات الظهيرة المحلية.
توسعة المدرج الرئيسي 2016
أول المشروعين الكبيرين كان إعادة بناء المدرج الرئيسي بين 2014 و2016. أضيفت طبقة ثالثة ضخمة، ليصل المدرج وحده إلى سعة تتجاوز 20 ألف مقعد موزعة على ثلاثة مستويات.
افتُتح المدرج للجمهور في سبتمبر 2016، ورفع سعة الملعب إلى 54,074. وقد تطلّب المشروع هدم بيوت خلف المدرج، وهو ما استغرق سنوات من الإجراءات قبل بدء البناء الفعلي.
الجزء الأكبر من المقاعد الجديدة خُصص للضيافة ومقاعد الأعمال، وهو قرار انتقده بعض الجماهير لكنه غيّر هيكل إيرادات النادي في يوم المباراة.
توسعة أنفيلد رود 2021-2024
المشروع الثاني استهدف مدرج أنفيلد رود، وبدأ في سبتمبر 2021 بتكلفة قاربت 80 مليون جنيه إسترليني.
أضاف المشروع نحو 7,000 مقعد، منها قرابة 5,200 مقعد عادي و1,800 مقعد ضيافة، ليصل المدرج إلى سعة 15,967. وتطلّب التنفيذ إعادة توجيه شارع أنفيلد رود نفسه حول المساحة الجديدة للمدرج.
لم يسر المشروع كما خُطط له. فُتح جزء من الطبقة العليا في ديسمبر 2023 أمام مانشستر يونايتد بحضور 57,158، ثم فُتح المدرج بالكامل في فبراير 2024 أمام بيرنلي بحضور 59,896، قبل أن يُسجَّل حضور 59,947 أمام مانشستر سيتي في مارس من العام نفسه. ولم يُعتبر المشروع مكتملًا رسميًا إلا في مارس 2025 بعد استكمال أعمال متبقية والحصول على شهادة السلامة من بلدية ليفربول.
لماذا كانت التوسعة قرارًا ماليًا قبل أن تكون رياضية
قد يبدو إضافة 7,000 مقعد تفصيلًا صغيرًا، لكن أثره التراكمي كبير. كل مقعد إضافي يعني تذكرة في كل مباراة منزلية طوال الموسم، إضافة إلى إنفاق على الأطعمة والمشروبات والمنتجات الرسمية.
الأهم أن المقاعد لم تُضف كلها بالفئة نفسها. الجزء المخصص للضيافة، رغم كونه أقل عددًا، يحقق عائدًا أعلى بكثير للمقعد الواحد من التذكرة العادية. وهذا هو المنطق الذي حكم مشروعَي المدرج الرئيسي وأنفيلد رود معًا.
الفارق بين ملعب بسعة 54 ألفًا وآخر بسعة 61 ألفًا يظهر في تصنيفات الإيرادات السنوية، حيث تتنافس أندية الدوري الإنجليزي على مراكز متقاربة في إيرادات يوم المباراة. وقد تزامنت التوسعة مع فترة أنفق فيها النادي بقوة في سوق الانتقالات، بما في ذلك صفقات كسرت الرقم القياسي الإنجليزي أكثر من مرة في صيف 2025.
العلاقة بين الأمرين ليست مباشرة ولا آلية، لكنها تشرح لماذا تسابق الأندية الكبرى اليوم على توسيع ملاعبها: الملعب صار أحد أعمدة القدرة على المنافسة في السوق، لا مجرد مكان تُلعب فيه المباريات.
هل هناك توسعة قادمة
حتى منتصف 2026، لا توجد خطط معلنة لتوسعة جديدة في أنفيلد.
الخيار الأكثر منطقية من ناحية العدد هو إضافة طبقة فوق الكوب، لكنه الأصعب سياسيًا. الكوب مدرج ذو قيمة رمزية عند الجماهير، وأي تعديل عليه سيواجه اعتراضًا واسعًا، إضافة إلى تعقيدات إنشائية.
الخيار الآخر هو مدرج السير كيني دالغليش، وقد وردت تقارير عن دراسة إعادة تنظيم طبقته السفلية لمنح الجمهور مساحة أوسع، وهو تعديل قد يقلل السعة بدل أن يزيدها.
نقاش الأجواء بعد التوسعة
مع ارتفاع السعة ظهر نقاش بين الجماهير المنتظمة حول تراجع الأجواء في بعض مباريات الدوري، خصوصًا تلك التي تُصنَّف أقل أهمية.
الحجة المطروحة أن زيادة المقاعد ترفع نسبة الحضور العابر والسياحي مقارنة بالجمهور المنتظم، وأن الأجواء تعتمد على من يعرف متى يبدأ الهتاف لا على عدد الحاضرين. وهو نقاش لا يخص أنفيلد وحده، بل يتكرر في كل ملعب أوروبي بعد أي توسعة.
أرقام سريعة عن أنفيلد
سنة الافتتاح: 1884
السعة الحالية: 61,276
الرقم القياسي للحضور: 61,905 أمام ولفرهامبتون في فبراير 1952
أبعاد الأرضية: 101 في 68 مترًا
أجنحة الضيافة: 64
مدرج أنفيلد رود بعد التوسعة: 15,967
الترتيب: خامس أكبر ملعب في الدوري الإنجليزي
الوصول إلى الملعب والزيارة
لا توجد محطة قطار ملاصقة للملعب، وأقرب المحطات تبعد مسافة مشي معتبرة، لذلك يعتمد معظم الجمهور على الحافلات من وسط ليفربول أو المشي من محطات قريبة نسبيًا.
يقدم النادي جولة داخل الملعب ومتحفًا يعرض تاريخه وبطولاته، وتشمل الجولة نفق اللاعبين ومنطقة الكوب. ويُنصح بالحجز المسبق، إذ تنفد المواعيد سريعًا في مواسم الذروة.
الخلاصة
أنفيلد ليس أكبر ملاعب إنجلترا ولا أحدثها، لكنه ظل لأكثر من قرن نموذجًا لفكرة بسيطة: الملعب الذي يقترب فيه الجمهور من اللاعبين ويجلس في كتلة واحدة يصنع صوتًا لا تصنعه المساحة الكبيرة.
والتحدي أمام النادي في السنوات المقبلة هو الحفاظ على هذه المعادلة بينما يستمر ضغط الإيرادات نحو مزيد من المقاعد ومزيد من الضيافة.
0 تعليقات