تحت أرضية العشب في ملعب توتنهام هوتسبير يوجد ملعب ثانٍ. الأرضية الطبيعية تنقسم إلى ثلاث قطع تنزلق جانبًا لتكشف أرضية صناعية دائمة مخصصة لمباريات الدوري الأميركي لكرة القدم. العملية كلها تستغرق ساعات، وتحوّل المبنى نفسه من ملعب كرة قدم إنجليزي إلى ملعب أميركي. هذه المقالة تشرح ملعب توتنهام هوتسبير: سعته وموقعه وتكلفته، وكيف يعمل أشهر نظام أرضية متحركة في العالم.
وايت هارت لين: 118 عامًا و2,533 مباراة
قبل الملعب الحالي كان هناك وايت هارت لين، بيت توتنهام منذ افتتاحه عام 1899.
على مدى أكثر من قرن استضاف الملعب 2,533 مباراة رسمية للنادي، وشهد أبرز محطاته الأوروبية، من مبارياته الأولى في كأس الأندية الأوروبية البطلة مطلع الستينيات إلى ظهوره في دوري أبطال أوروبا عام 2010.
لكن سعته في سنواته الأخيرة لم تتجاوز 36,284 مقعدًا، وهو رقم صغير مقارنة بأندية تنافسه على المراكز الأوروبية. أُغلق الملعب في 14 مايو 2017، وهُدم خلال الصيف نفسه.
لماذا قرر توتنهام الهدم لا الترميم
كان أمام النادي خياران: تطوير وايت هارت لين ضمن حدوده الضيقة، أو بناء ملعب جديد. وقد درس أيضًا خيارًا ثالثًا هو الانتقال إلى ملعب لندن الأولمبي، لكنه لم ينجح.
اختار النادي البناء على الموقع نفسه تقريبًا، مع توسيع الأرض شمالًا. وتطلّب ذلك سنوات من النزاع القانوني مع ملاك أراضٍ مجاورة، لم ينتهِ إلا في مارس 2015 حين اضطرت آخر شركة مالكة إلى البيع.
استُغلت سنوات التأخير في تعديل التصميم جذريًا. عُيّن مكتب بوبيولوس مصممًا جديدًا، وتغيّرت المواصفات لتشمل سعة أكبر وقدرة على استضافة مباريات الدوري الأميركي، وهو القرار الذي أنتج أغرب أرضية في كرة القدم.
الموقع والسعة
يقع الملعب في منطقة توتنهام شمال لندن، على الطريق الرئيسي المعروف باسم هاي رود، وهو المشروع المحوري في خطة تجديد المنطقة الممتدة لعشرين عامًا والمعروفة باسم مشروع تطوير نورثمبرلاند.
تبلغ سعة الملعب 62,850 متفرجًا، ما يجعله أكبر ملعب أندية في لندن وثالث أكبر ملاعب كرة القدم في إنجلترا. ويُخصص نحو 42 ألف مقعد منها لحاملي تذاكر الموسم، مع وجود قائمة انتظار دائمة.
افتُتح الملعب في 3 أبريل 2019 بمباراة في الدوري الإنجليزي أمام كريستال بالاس، بعد تأخير امتد شهورًا عن الموعد المعلن أصلًا.
الأرضية القابلة للسحب: كيف تعمل
النظام هو الأول من نوعه في العالم من حيث الانقسام والانزلاق معًا.
الأرضية الطبيعية مقسّمة إلى ثلاث قطع ضخمة، تنزلق كل منها أفقيًا لتُخزَّن أسفل المدرج الجنوبي. وتحت هذه القطع توجد أرضية صناعية دائمة تبعد نحو 1.6 متر عن مستوى العشب الطبيعي.
الفارق بين هذا الحل وحلول أخرى مشابهة في العالم أن معظم الملاعب ذات الأرضيات المتحركة تُخرج الأرضية بالكامل من المبنى إلى الخارج كقطعة واحدة. أما هنا فتبقى الأرضية داخل المبنى، وهو ما يناسب موقعًا حضريًا ضيقًا لا يوفر مساحة خارجية كافية.
الفائدة العملية أن العشب الطبيعي لا يتضرر من الفعاليات الأخرى، وأن التحويل بين الاستخدامين لا يتطلب إعادة زراعة الأرضية بعد كل حدث.
ملعب أميركي دائم تحت العشب
التزم توتنهام باستضافة مباريات ضمن سلسلة الدوري الأميركي الدولية، وهو التزام أثّر في التصميم من أوله.
قبل هذا الملعب كانت مباريات الدوري الأميركي في لندن تُقام على ملاعب أخرى بترتيبات مؤقتة: فرش أرضية صناعية، وإزالة بعض المقاعد، وتعديلات تستغرق أيامًا. أما هنا فالأرضية الصناعية دائمة، وخطوط اللعب الأميركية مرسومة عليها، والمرافق مصممة وفق متطلبات الفرق الأميركية.
وقد سجّل الملعب رقمًا قياسيًا لحضور مباراة أميركية بلغ 61,273 متفرجًا في أكتوبر 2023.
المدرج الجنوبي: 17,500 مقعد في طبقة واحدة
أبرز عنصر معماري في الملعب هو المدرج الجنوبي، الذي يضم 17,500 مقعد في طبقة واحدة، وهو الأكبر من نوعه في المملكة المتحدة.
الفكرة مستوحاة مباشرة من المدرجات الألمانية الكبيرة، وعلى رأسها الجدار الأصفر في دورتموند. المنطق الهندسي بسيط: الطبقة الواحدة تجمع الجمهور في كتلة متصلة، فينتقل الصوت والحركة بينهم دون انقطاع، بعكس المدرجات المقسّمة إلى طبقات.
يُضاف إلى ذلك الانحدار الحاد للمقاعد، الذي يبقي الصفوف الخلفية أقرب إلى أرضية اللعب مما تبدو عليه في الصور.
الديك والتصميم الخارجي
يتوّج الملعب من الخارج تمثال الديك الذهبي، وهو شعار النادي منذ أوائل القرن العشرين، وقد نُقل رمزيًا من وايت هارت لين إلى المبنى الجديد ليحافظ على خيط الاستمرارية بين الملعبين.
الواجهة الخارجية مكوّنة من آلاف الألواح المعدنية المثقّبة التي تسمح بمرور الضوء وتغيّر مظهر المبنى بحسب ساعة النهار. والفكرة التصميمية أن يبدو الملعب جزءًا من الشارع لا صندوقًا مغلقًا في وسطه، مع ساحة عامة عند المدخل الجنوبي.
الملعب أيضًا من أوائل الملاعب الكبرى التي ألغت التعامل النقدي بالكامل داخل أسوارها، فجميع المدفوعات تتم إلكترونيًا، وهو ترتيب يقلل زمن الانتظار في طوابير الأطعمة والمشروبات بين الشوطين.
أرقام سريعة عن ملعب توتنهام هوتسبير
الافتتاح: 3 أبريل 2019
السعة: 62,850
المصمم: مكتب بوبيولوس
المقاول الرئيسي: شركة مايس
التكلفة: أكثر من مليار جنيه إسترليني
المدرج الجنوبي: 17,500 مقعد في طبقة واحدة
الملعب السابق: وايت هارت لين بسعة 36,284
أبعاد الأرضية: 105 في 68 مترًا
التكلفة: من 400 مليون إلى أكثر من مليار
قُدّرت الميزانية الأولية للمشروع بنحو 400 مليون جنيه إسترليني، لكن التكلفة النهائية تجاوزت المليار، وتشير بعض التقديرات إلى نحو 1.2 مليار.
أسباب التجاوز متعددة: تغييرات جذرية في التصميم بعد اعتماد نظام الأرضية المزدوجة، وتأخيرات في التنفيذ، وتكاليف هدم وايت هارت لين، وتحسينات في البنية التحتية المحيطة بالموقع.
وقد أشار رئيس النادي دانيال ليفي لاحقًا إلى أن نموذج إدارة البناء المستخدم في المشروع معرّض بطبيعته لتجاوز الجداول الزمنية والميزانيات.
مُوّل المشروع عبر مزيج من موارد النادي والقروض، وهو ما جعل ملف حقوق التسمية أكثر إلحاحًا.
حقوق التسمية الغائبة
رغم مرور سنوات على الافتتاح، ما زال الملعب يحمل اسم النادي نفسه دون راعٍ تجاري لحقوق التسمية.
السبب المتداول أن النادي يطلب قيمة مرتفعة تتناسب مع تكلفة المشروع وحجم الفعاليات التي يستضيفها الملعب، بينما لم يصل إلى اتفاق يحقق هذا السقف حتى الآن. وبالنسبة لملعب بهذه التكلفة، يمثل غياب هذا المصدر فجوة واضحة في معادلة الإيرادات.
أرقام وفعاليات
يضم الملعب أكثر من 60 منفذًا للأطعمة والمشروبات، من بينها أطول بار في أوروبا بطول يقارب 65 مترًا، وبار آخر يضم مصنع جعة صغيرًا داخل المبنى نفسه.
المساحة الإجمالية للطوابق تبلغ نحو 120 ألف متر مربع موزعة على تسعة مستويات، أي أربعة أضعاف مساحة وايت هارت لين تقريبًا، رغم أن بصمة المبنى على الأرض تبلغ ضعف سابقتها فقط.
الرقم القياسي لحضور مباراة كرة قدم في الملعب هو 62,027 متفرجًا في مواجهة أمام آرسنال في مايو 2022، بينما سُجّل حضور أعلى في الحفلات الموسيقية.
إلى جانب كرة القدم والدوري الأميركي، استضاف الملعب حفلات موسيقية كبرى ومنافسات رياضية أخرى، وهو ما يجعله من أكثر الملاعب الأوروبية استخدامًا خارج أيام المباريات.
ماذا أخذت الأندية الأوروبية من هذا الملعب
منذ افتتاحه صار ملعب توتنهام مرجعًا يُستشهد به في كل مشروع ملعب جديد في أوروبا تقريبًا، وثلاثة دروس تحديدًا انتقلت منه إلى غيره.
الأول: المدرج الواحد الكبير. بعد نجاح المدرج الجنوبي، صارت فكرة الطبقة الواحدة خلف المرمى مطلبًا متكررًا في التصاميم الجديدة، بعدما كانت المدرجات متعددة الطبقات هي القاعدة في الملاعب الإنجليزية الحديثة.
الثاني: الملعب كمنشأة متعددة الاستخدام. فكرة تشغيل المبنى طوال العام لم تعد إضافة اختيارية، بل صارت جزءًا من دراسة الجدوى منذ اليوم الأول. مشروع مانشستر سيتي في ميدلوك سكوير ومخطط مانشستر يونايتد للملعب الجديد يسيران في الاتجاه نفسه.
الثالث: خطر تجاوز الميزانية. الدرس الأقل جاذبية والأكثر أهمية. مشروع يتضاعف سعره ويتأخر شهورًا يترك أثرًا على قدرة النادي في سوق الانتقالات لسنوات، وهو ما دفع أندية أخرى إلى تثبيت العقود وتقسيم المشاريع على مراحل بدل التنفيذ دفعة واحدة.
الوصول والزيارة
تخدم الملعب عدة محطات قطار ومترو في شمال لندن، أقربها محطة وايت هارت لين، إضافة إلى محطات أخرى تُستخدم لتوزيع الجماهير بعد المباريات.
ومن أشهر تجارب الزيارة مسار المشي على سطح الملعب المعروف باسم سكاي ووك، إلى جانب الجولات الداخلية التي تشمل غرف الملابس والنفق ومنطقة المدرج الجنوبي.
الملعب وتجديد المنطقة
بُني الملعب كقاطرة لمشروع تجديد أوسع في منطقة توتنهام، وهي من المناطق التي تعاني مؤشرات اقتصادية صعبة في شمال لندن.
شمل المشروع مساكن جديدة وفندقًا ومدرسة ومساحات عمل، إضافة إلى الوظائف المرتبطة بتشغيل الملعب وفعالياته. وهذا ما يفسر حصول النادي على موافقات التخطيط رغم حجم المشروع وأثره على المنطقة.
النقاش المرافق لهذه المشاريع معروف في كل مدينة: هل يستفيد السكان الأصليون فعلًا، أم ترتفع الأسعار فيدفعهم ذلك للخروج تدريجيًا؟ الإجابة تختلف من حي لآخر، وتحتاج سنوات لتظهر.
الخلاصة
ملعب توتنهام هوتسبير هو الإجابة الأوضح على سؤال شغل الأندية الأوروبية في العقد الأخير: كيف يتحول الملعب من مبنى يُستخدم 25 مرة في السنة إلى منشأة تعمل طوال العام.
الثمن كان تكلفة تجاوزت ضعف الميزانية الأصلية وسنوات من التأخير. والمقابل ملعب يجمع بين أجواء مدرج ألماني الطراز وبنية تحتية تجارية لا يملكها سوى عدد قليل جدًا من ملاعب أوروبا.
0 تعليقات