ملعب الإمارات: ثمن مغادرة هايبري

 

كلّف بناء ملعب الإمارات آرسنال 390 مليون جنيه إسترليني عام 2006. واليوم، بعد عشرين عامًا، تُقدَّر تكلفة توسعته بنحو 500 مليون جنيه — أي أكثر مما كلّف بناؤه من الصفر. هذه المفارقة تلخّص قصة الملعب كلها: قرار مالي جريء حسم مستقبل النادي، ودفع ثمنه جيل كامل من الجماهير. هذه المقالة تشرح ملعب الإمارات من زاوية الاقتصاد لا العمارة وحدها: لماذا رحل آرسنال عن هايبري، وماذا كسب، وماذا خسر.

لماذا غادر آرسنال هايبري

كان هايبري بيت آرسنال منذ 1913، لكنه في موسمه الأخير لم يكن يتسع لأكثر من 38 ألف متفرج تقريبًا.

المشكلة لم تكن في السعة وحدها، بل في استحالة زيادتها. الملعب محاصر بمبانٍ سكنية، وبعض واجهاته مصنفة كمبانٍ ذات قيمة معمارية لا يجوز المساس بها. أي توسعة كانت مستحيلة عمليًا.

وفي الوقت نفسه كان مانشستر يونايتد يلعب أمام أكثر من 65 ألف متفرج في كل مباراة. الفارق في إيرادات يوم المباراة بين الناديين كان يتسع كل موسم، وكان واضحًا لإدارة آرسنال أن البقاء في هايبري يعني التراجع التدريجي عن المنافسة المالية.

الموقع والسعة

يقع ملعب الإمارات في منطقة هولواي شمال لندن، على بعد أقل من كيلومتر واحد من موقع هايبري القديم الذي تحوّل إلى مجمع سكني.

تبلغ السعة الرسمية 60,704 مقعدًا، وهو سادس أكبر ملاعب الدوري الإنجليزي. ولم يعد الأكبر في لندن، إذ تفوّق عليه ملعب توتنهام هوتسبير وملعب لندن الذي يلعب فيه وست هام.

افتُتح الملعب رسميًا في يوليو 2006، وانتقل إليه الفريق الأول للرجال، كما صار اعتبارًا من موسم 2025-2026 الملعب الدائم لفريق السيدات في جميع مبارياته بالدوري.

تكلفة البناء وأثرها على سوق الانتقالات

بلغت تكلفة المشروع 390 مليون جنيه إسترليني، وهو رقم ضخم بمقاييس مطلع الألفية. ومع احتساب السعة، يكون متوسط تكلفة المقعد الواحد أكثر من 6,400 جنيه.

الأثر الحقيقي ظهر في سوق الانتقالات. اضطر النادي إلى الالتزام بسقف إنفاق منخفض لسنوات لسداد ديون البناء، وهي الفترة التي شهدت بيع عدد من أبرز لاعبيه دون تعويضهم بالمستوى نفسه.

لم يشعر آرسنال بالعائد المالي للانتقال إلا في منتصف العقد الثاني من الألفية تقريبًا، بعد سداد الديون المرتبطة بالمشروع. ومنذ ذلك الحين صار الملعب أحد أكبر مصادر دخله، إذ بلغت إيرادات يوم المباراة نحو 132 مليون جنيه ضمن إيرادات قياسية تجاوزت 616 مليونًا في السنة المالية 2023-2024.

حقوق التسمية: صفقتان بفارق عشرين عامًا

بيعت حقوق تسمية الملعب لشركة طيران الإمارات عام 2004، أي قبل الافتتاح بعامين، مقابل مبلغ مبدئي قارب 100 مليون جنيه غطى نحو ربع تكلفة المشروع.

وفي 6 أغسطس 2026 أكد النادي اتفاقًا جديدًا يمدد الشراكة حتى 2033، ويشمل حقوق تسمية الملعب ورعاية القميص الأمامي وملابس التدريب. وتشير التقارير إلى قيمة سنوية تقارب 70 مليون جنيه، ارتفاعًا من نحو 45 إلى 50 مليونًا في الاتفاق السابق، بإجمالي قد يصل إلى نحو 500 مليون جنيه على مدى العقد.

توقيت الاتفاق لافت: أُبرم قبل عامين من انتهاء العقد القديم، وفي الفترة نفسها التي يدرس فيها النادي مشروع توسعة مكلفًا.

ماذا حدث لهايبري

لم يُهدم هايبري بالكامل. تحوّل الموقع إلى مجمع سكني يحمل اسم "هايبري سكوير"، مع الإبقاء على الواجهتين الشرقية والغربية التاريخيتين لمدرجيه، وهما مبنيان مصنفان معماريًا.

أما أرضية الملعب القديمة فتحولت إلى حديقة مشتركة بين السكان، وتحتفظ بشكل المستطيل الأصلي. وهذا التفصيل يشرح لماذا لم يكن توسيع هايبري ممكنًا أصلًا: القيود المعمارية التي حمت المبنى بعد رحيل النادي هي نفسها التي منعت تطويره قبل رحيله.

داخل الملعب: محاولة استعادة الهوية

بعد سنوات من الانتقاد بأن الملعب يفتقر إلى شخصية، أطلق النادي مشروعًا داخليًا عُرف باسم "أرسنة" الملعب، وهدفه ملء الجدران والمساحات الفارغة بعناصر ترتبط بتاريخ النادي.

شمل ذلك جداريات ضخمة تحمل صور لاعبين من حقب مختلفة، وساعة كبيرة معلقة داخل الملعب مستوحاة من ساعة هايبري الشهيرة، وأسماء مدرجات ترتبط بشخصيات في تاريخ النادي.

النقد الموجه لهذه المحاولات معروف: الهوية لا تُضاف إلى مبنى بعد بنائه. لكن أثرها التراكمي واضح للزائر اليوم، والملعب لم يعد يبدو محايدًا كما بدا في سنواته الأولى.

أرقام سريعة عن ملعب الإمارات

  • سنة الافتتاح: 2006

  • السعة: 60,704

  • تكلفة البناء: 390 مليون جنيه إسترليني

  • الملعب السابق: هايبري بسعة تقارب 38 ألفًا في موسمه الأخير

  • حقوق التسمية: ممتدة حتى 2033

  • قائمة انتظار تذاكر الموسم: أكثر من 100 ألف

  • التوسعة المقترحة: ما بين 70 و80 ألف مقعد بتكلفة تقارب 500 مليون جنيه

مشكلة الأجواء ومقارنة هايبري

الانتقاد الأشهر الذي لاحق ملعب الإمارات في سنواته الأولى أنه يفتقر إلى روح هايبري. الملعب الجديد كان أوسع وأكثر راحة وأبعد مقاعده عن أرضية اللعب، والنتيجة أجواء أهدأ.

جزء من المشكلة تصميمي: المدرجات أقل انحدارًا من هايبري، والمسافة بين الجمهور والملعب أكبر. وجزء آخر يتعلق بتركيبة الحضور، إذ ارتفعت نسبة المقاعد الموسمية والضيافة.

تحسّنت الصورة تدريجيًا في السنوات الأخيرة، مع عودة النادي إلى المنافسة على الألقاب وظهور مجموعات جماهيرية منظمة تقود الهتاف في أجزاء محددة من المدرجات.

قائمة انتظار تتجاوز 100 ألف

أقوى حجة اقتصادية لصالح التوسعة ليست في التصميم بل في الطلب: قائمة انتظار تذاكر الموسم في آرسنال تضم أكثر من 100 ألف مشجع.

هذا الرقم يعني أن النادي يترك إيرادات كبيرة خارج أبوابه في كل مباراة، وأن السعة الحالية لم تعد تعكس حجم قاعدته الجماهيرية.

فريق السيدات ينتقل إلى الملعب بشكل دائم

من أبرز التحولات في استخدام الملعب أن فريق السيدات في آرسنال صار يلعب جميع مبارياته المحلية على ملعب الإمارات اعتبارًا من موسم 2025-2026، بعد سنوات كان يلعب فيها معظم مبارياته في ملعب أصغر ويستخدم الإمارات في المباريات الكبرى فقط.

القرار جاء بعد أرقام حضور مرتفعة سجلها الفريق في مبارياته على الملعب الكبير، وهي أرقام غيّرت حسابات النادي بشأن جدوى فتح ملعب بسعة 60 ألفًا لمباراة في دوري السيدات.

الأثر العملي أن الملعب صار يعمل بعدد أيام أكبر في الموسم، وهو ما يخدم الحجة الاقتصادية للتوسعة أيضًا.

ما الذي يدره الملعب اليوم

لفهم حجم الرهان على التوسعة، تكفي مقارنة بسيطة. إيرادات يوم المباراة في آرسنال تقارب 132 مليون جنيه ضمن إيرادات إجمالية تجاوزت 616 مليونًا في سنة مالية واحدة.

ولا تتكوّن هذه الإيرادات من التذاكر وحدها، بل تشمل الضيافة والإنفاق داخل الملعب. ولهذا يعيد النادي التفاوض على عقود الخدمات المرتبطة بالملعب، ومنها عقد المأكولات والمشروبات الممتد منذ الانتقال عام 2006، بهدف رفع العائد من كل مباراة.

بمعنى آخر: المعركة لم تعد على عدد المقاعد فقط، بل على ما ينفقه الجالس في كل مقعد.

لماذا التوسعة أصعب من البناء

الخطة المتداولة تستهدف إضافة نحو 20 ألف مقعد لتتجاوز السعة 80 ألفًا، أو الوصول إلى ما يزيد على 70 ألفًا في السيناريو الأقل طموحًا.

العقبة أن ملعب الإمارات صُمم أصلًا ليناسب مساحة أرض ضيقة ومحددة، وبُني بمنطق كفاءة استغلال المساحة لا بمنطق التوسعة المستقبلية. ثلاثة خيارات تُطرح، ولكل منها ثمنه:

  • إضافة طبقة علوية جديدة: تتطلب أعمالًا إنشائية ضخمة وإزالة السقف الحالي أثناء التنفيذ.

  • خفض مستوى أرضية الملعب وإضافة مقاعد تحت الطبقة السفلية: معقد جدًا بسبب خطوط مترو الأنفاق وشبكات الصرف الممتدة أسفل الموقع.

  • تعديل زوايا المدرجات لجعلها أكثر انحدارًا: يتيح صفوفًا إضافية ضمن الهيكل نفسه، لكنه أقل إنتاجية من حيث عدد المقاعد.

احتمال اللعب في ويمبلي

من التفاصيل التي كشفتها التقارير أن مشروعًا بهذا الحجم قد يفرض على آرسنال اللعب خارج ملعبه لموسمين كاملين، والوجهة الأقرب هي ويمبلي.

هذا السيناريو له تكلفة غير مباشرة: خسارة جزء من عائد يوم المباراة، والابتعاد عن الحي الذي يرتبط به الجمهور، إضافة إلى التأثير المعنوي المعروف على عامل الأرض. وهو أحد أسباب تردد النادي في حسم القرار حتى الآن.

الملعب في المنافسات الأوروبية

استضاف ملعب الإمارات مباريات آرسنال في دوري أبطال أوروبا منذ افتتاحه، كما استضاف مباريات لمنتخبات وطنية ومباريات ودية دولية في فترات مختلفة.

لكنه لم يستضف نهائيًا قاريًا كبيرًا حتى الآن، بخلاف ملاعب إنجليزية أخرى مثل ويمبلي وأولد ترافورد. أحد أسباب ذلك أن الاتحاد الأوروبي يفضّل للنهائيات ملاعب ذات سعة أكبر ومرافق إعلامية أوسع، وهي نقطة إضافية في ملف التوسعة.

الوصول إلى الملعب والزيارة

يُعد ملعب الإمارات من أسهل ملاعب إنجلترا وصولًا، إذ تخدمه عدة محطات مترو قريبة، أبرزها محطة آرسنال التي تبعد دقائق قليلة سيرًا، إضافة إلى محطات أخرى تُستخدم لتوزيع الحشود بعد المباريات.

ويقدم النادي جولات داخل الملعب تشمل غرف الملابس ونفق اللاعبين، إلى جانب متحف يعرض تاريخ النادي ومقتنياته، بما فيها معروضات من حقبة هايبري.

الحاضر: الملعب بعد اللقب

تغيّر السياق كثيرًا بعد تتويج آرسنال بلقب الدوري الإنجليزي لأول مرة منذ 22 عامًا. النجاح الرياضي رفع الطلب على التذاكر أكثر، وعزّز الحجة الداخلية لصالح التوسعة.

وقد أكد جوش كروينكي، الشريك في ملكية النادي، أن الرئيس التنفيذي ريتشارد غارليك يقود المحادثات المتعلقة بتطوير الملعب، وأن عددًا من أعضاء مجلس الإدارة الجدد يشاركون في هذا الملف.

بهذا يقف آرسنال أمام النسخة الثانية من القرار نفسه الذي اتخذه قبل عشرين عامًا: دفع مبلغ ضخم اليوم مقابل إيرادات أكبر بعد سنوات. الفارق أن النادي هذه المرة يفاوض من موقع أقوى بكثير.


إرسال تعليق

0 تعليقات