على بعد 350 مترًا من أولد ترافورد، اشترى مانشستر يونايتد أرضًا مساحتها 25 فدانًا لبناء ملعب آخر. الملعب القديم ما زال يستضيف المباريات، والجديد لم يُوضع حجر أساسه بعد، لكن القرار صار واضحًا: النادي لا ينوي إصلاح بيته القديم، بل بناء بيت جديد بجواره. هذه المقالة تشرح ملعب أولد ترافورد كما هو اليوم — موقعه وسعته وتاريخه وأجواؤه — ثم تشرح مشروع "نيو ترافورد" الذي سيأخذ مكانه.
أين يقع أولد ترافورد
يقع الملعب في منطقة ترافورد جنوب غرب مركز مدينة مانشستر، على ضفة قناة مانشستر البحرية، في منطقة صناعية قديمة تُعاد صياغتها اليوم ضمن مخطط تجديد واسع يُعرف باسم ترافورد وارفسايد.
الموقع نفسه جزء من قصة الملعب. أولد ترافورد لم يُبنَ داخل حي سكني ضيق مثل أنفيلد أو سانت جيمس بارك، بل على أرض مفتوحة نسبيًا بجوار خط سكة حديد. هذا ما سمح له بالتوسع عبر العقود، وهو ما يسمح اليوم ببناء ملعب جديد على مقربة منه دون هدم أحياء كاملة.
يبعد الملعب نحو ثلاثة كيلومترات عن وسط المدينة، وتخدمه محطة ترام مخصصة على شبكة مترولينك، إضافة إلى محطة قطار تحمل اسم الملعب.
السعة الحالية
تبلغ السعة الرسمية لأولد ترافورد نحو 74,879 مقعدًا، وهو ما يجعله أكبر ملعب أندية في إنجلترا، ولا يتفوق عليه سوى ملعب ويمبلي الوطني بسعة 90 ألفًا.
هذه السعة لم تأتِ دفعة واحدة. الملعب توسّع على مراحل عبر قرن كامل، وأبرز قفزاته كانت في التسعينيات ومطلع الألفية، حين أُضيفت طبقات علوية للمدرجات الشمالية والشرقية والغربية.
لكن التوسعة توقفت عند حد معين لسبب مادي: المدرج الجنوبي يلاصق خط سكة حديد يمنع إضافة طبقة ثانية فوقه. ومن دون المدرج الجنوبي، ظلت أي زيادة في السعة محدودة، وهذا أحد الأسباب الجوهرية التي دفعت النادي نحو فكرة ملعب جديد بدل توسعة القديم.
من 1910 إلى اليوم
افتُتح أولد ترافورد عام 1910 بتصميم المهندس أرشيبالد لايتش، الذي ترك بصمته على عدد كبير من ملاعب كرة القدم البريطانية في تلك الحقبة.
الحدث الأقسى في تاريخ المبنى جاء خلال الحرب العالمية الثانية، حين تعرضت المنطقة الصناعية المحيطة لقصف جوي أصاب الملعب وألحق به أضرارًا كبيرة. اضطر مانشستر يونايتد بعدها إلى استضافة مبارياته على ملعب مين رود، ملعب الجار والمنافس مانشستر سيتي، لسنوات حتى أُعيد بناء ملعبه.
بعد ذلك بدأت رحلة التحديث الطويلة: إضاءة كاشفة، ثم أسقف، ثم تحويل المدرجات إلى مقاعد بالكامل بعد تقرير تايلور الذي غيّر شكل الملاعب الإنجليزية في التسعينيات، ثم التوسعات المتتالية التي رفعت السعة إلى ما هي عليه.
من أطلق عليه "مسرح الأحلام"
الاسم لم يأتِ من حملة تسويقية، بل من بوبي تشارلتون، أحد أبرز لاعبي النادي في تاريخه والناجي من كارثة ميونخ الجوية. وصفه للملعب بهذه العبارة التصق به حتى صار اسمًا موازيًا يُستخدم في التعليق والإعلام.
الاسم يحمل طبقة أخرى من المعنى داخل النادي. أولد ترافورد ليس مجرد مبنى في سردية يونايتد، بل المكان الذي أُعيد فيه بناء الفريق بعد فقدان لاعبيه في ميونخ عام 1958، والمكان الذي خرجت منه أجيال أكاديمية النادي.
الأجواء والمدرجات
أشهر مدرجات الملعب هو ستريتفورد إند، المدرج الغربي الذي شكّل تاريخيًا قلب الجمهور الأكثر صخبًا. وفي الجهة المقابلة يقع المدرج الشرقي، بينما يحمل المدرج الشمالي اسم السير أليكس فيرغسون، ويحمل المدرج الجنوبي اسم السير بوبي تشارلتون.
الأجواء في أولد ترافورد موضوع نقاش مستمر بين الجماهير نفسها. الملعب الكبير بمقاعده الموزعة على مساحة واسعة يصعب أن ينتج الصوت المضغوط الذي تنتجه ملاعب أصغر وأكثر انحدارًا. ومع ارتفاع نسبة المقاعد السياحية والضيافة، تراجع الصوت مقارنة بحقبة الثمانينيات والتسعينيات.
في المقابل، تبقى الليالي الأوروبية استثناءً معروفًا. مباريات دوري أبطال أوروبا في أولد ترافورد تنتج أجواءً مختلفة تمامًا عن مباريات الدوري المحلي المعتادة، وهي ملاحظة يرددها اللاعبون الزائرون قبل الجماهير.
ومن أبرز معالم المبنى ساعة ميونخ المثبتة على واجهته، وهي نصب تذكاري لضحايا حادث 1958، إلى جانب تمثال الثلاثي الشهير بست وتشارلتون ولو، وتمثال السير أليكس فيرغسون أمام المدرج الذي يحمل اسمه.
كما يشتهر محيط الملعب بطقس ما قبل المباراة: الحانات على طول الطريق المؤدي إلى البوابات، وأكشاك البرامج والأوشحة، والحشود التي تتحرك من محطة الترام في اتجاه واحد. هذه التفاصيل جزء من تجربة الزيارة بقدر ما يحدث داخل المبنى نفسه.
مشروع "نيو ترافورد": 100 ألف مقعد
في مارس 2025، أعلن النادي خطته لبناء ملعب جديد بسعة 100 ألف متفرج، بتكلفة تقديرية تبلغ نحو ملياري جنيه إسترليني. وقال الشريك في الملكية جيم راتكليف إن الهدف بناء أفضل ملعب كرة قدم في العالم في قلب منطقة مجددة بالكامل.
الأرقام المعلنة للمشروع تستحق التوقف:
السعة: 100,000 مقعد، ما يجعله الأكبر في المملكة المتحدة متجاوزًا ويمبلي، والثاني في أوروبا خلف كامب نو بعد تجديده.
الموقع: نحو 350 مترًا شمال غرب الملعب الحالي، على أرض مساحتها 25 فدانًا.
المدة: خمس سنوات تقريبًا للتنفيذ.
التصميم: هيكل يشبه المظلة، مع ثلاثة صوارٍ يمكن رؤيتها من مسافة تصل إلى 40 كيلومترًا.
الاستدامة: سقف يجمع الطاقة الشمسية، ونظام لتجميع مياه الأمطار، وساحة عامة كبيرة.
ستريتفورد إند الجديد: مدرج بسعة 23,500 وحده، موزعة على طبقتين.
أين وصل المشروع الآن
خلال صيف 2026 تسارعت الخطوات. أعلن النادي أنه أنهى الاستحواذ على معظم الأرض المطلوبة، ثم كشف رسميًا عن موقع الملعب الجديد بوصفه واجهة مخطط ترافورد وارفسايد.
الخطوة التالية كانت موافقة مجلس ترافورد على المخطط في يوليو 2026، تلتها فترة استشارة عامة امتدت ثمانية أسابيع من 28 يوليو حتى 22 سبتمبر 2026، تضمنت فعاليات في المنطقة لعرض المخطط على السكان وجمع ملاحظاتهم.
الاستشارة العامة ليست إجراءً شكليًا في المشاريع البريطانية بهذا الحجم. ملاحظات السكان حول الزحام والإسكان والنقل تؤثر فعليًا على الشروط المرفقة بالموافقة النهائية، وقد تؤخر الجدول الزمني.
لماذا البناء بدل التوسعة
السؤال الذي طرحته الجماهير منذ الإعلان: لماذا لا يُوسَّع أولد ترافورد كما فعل ليفربول ومانشستر سيتي؟
الإجابة تبدأ من خط سكة الحديد الملاصق للمدرج الجنوبي. أي توسعة جدية تتطلب التعامل مع هذا الخط، سواء بنقله أو البناء فوقه، وهي عملية بالغة التكلفة والتعقيد.
يُضاف إلى ذلك عمر المبنى. أجزاء كبيرة من أولد ترافورد تعود إلى حقب مختلفة، وبعض مرافقه لم تعد تواكب معايير الملاعب الحديثة من حيث الممرات ومنافذ الخدمة ومناطق الضيافة. وقد ظهرت خلال السنوات الأخيرة تقارير عن مشكلات صيانة متكررة، من بينها تسريبات في الأسقف خلال المباريات.
الحسبة التي انتهى إليها النادي أن إصلاح مبنى قديم بهذا الحجم قد يقترب في تكلفته من بناء ملعب جديد، دون أن يمنحه السعة التي يريدها ولا الإيرادات المرتبطة بها.
ماذا سيحدث لأولد ترافورد
هذا هو السؤال الذي لم يُحسم حتى الآن. النادي أكد أنه سيواصل اللعب في أولد ترافورد حتى اكتمال الملعب الجديد، لكنه لم يعلن مصير المبنى بعد ذلك.
الخيارات المطروحة في النقاش العام تتراوح بين الهدم الكامل لإفساح المجال لمشروع الإسكان والتجديد، والإبقاء على جزء منه كمعلم تاريخي. وأي قرار هنا سيواجه حساسية كبيرة لدى الجماهير، لأن المبنى مرتبط بأكثر من قرن من ذاكرة النادي.
مباريات كبرى خارج حسابات يونايتد
لم يقتصر أولد ترافورد على مباريات ناديه. استضاف مباريات ضمن بطولة أمم أوروبا 1996 التي أقيمت في إنجلترا، ومباريات ضمن منافسات كرة القدم في أولمبياد لندن 2012.
وفي 2003 استضاف نهائي دوري أبطال أوروبا بين ميلان ويوفنتوس، وهي مباراة انتهت بركلات الترجيح بعد تعادل سلبي امتد 120 دقيقة. كما يستضيف الملعب بانتظام مباريات المنتخب الإنجليزي ونهائيات في رياضة الرغبي.
هذا التنوع ليس تفصيلًا جانبيًا، بل جزء من اقتصاد الملعب: الأحداث الكبرى تدرّ إيرادات في الأسابيع التي لا مباريات فيها، وهي الفكرة نفسها التي تقوم عليها الملاعب الجديدة اليوم.
أرقام سريعة عن أولد ترافورد
سنة الافتتاح: 1910
السعة الحالية: نحو 74,879 مقعدًا
الترتيب: أكبر ملعب أندية في إنجلترا
المصمم الأصلي: أرشيبالد لايتش
المدرجات: ستريتفورد إند، ومدرج السير أليكس فيرغسون، ومدرج السير بوبي تشارلتون، والمدرج الشرقي
الملعب الجديد المقترح: 100,000 مقعد بتكلفة تقارب ملياري جنيه إسترليني
المسافة بين الملعبين: نحو 350 مترًا
الوصول إلى الملعب والزيارة
أسهل الطرق إلى أولد ترافورد هو الترام من وسط مانشستر، مع محطة تقف على بعد دقائق من البوابات. وهناك أيضًا خدمة قطار مباشرة في أيام المباريات، ومسار مشي من وسط المدينة يستغرق نحو 40 دقيقة ويسلكه كثير من الجماهير.
يقدم النادي جولات داخل الملعب ومتحفًا يعرض تاريخه وبطولاته، وهي متاحة في معظم أيام الأسبوع خارج مواعيد المباريات. ويُنصح بالحجز مسبقًا، خصوصًا في أشهر الصيف حين يرتفع الطلب السياحي.
أولد ترافورد في موسم 2026-2027
يدخل الملعب هذا الموسم وهو يستضيف فريقًا عاد إلى دوري أبطال أوروبا بعد إنهائه موسم 2025-2026 في المركز الثالث بالدوري الإنجليزي، بسجل 20 فوزًا و11 تعادلًا وسبع هزائم في 38 مباراة.
كما ثبّت النادي مايكل كاريك مدربًا دائمًا بعقد يمتد حتى 2028، بعدما تولى المهمة مؤقتًا في يناير عقب رحيل روبن أموريم، وقاد الفريق إلى العودة الأوروبية.
هذا يعني أن السنوات الخمس المقبلة ستكون الأغرب في تاريخ الملعب: فريق يلعب في أولد ترافورد بينما يرتفع ملعبه الجديد على بعد بضع مئات من الأمتار، ومئات الآلاف من الجماهير تودّع مبنى دون أن تعرف بالضبط متى ستكون المباراة الأخيرة فيه.
0 تعليقات