أليانز ستاديوم: أول ملعب مملوك لنادٍ إيطالي وكيف غيّر الاقتصاد

 

هدم يوفنتوس ملعبًا سعته 69 ألف مقعد ليبني مكانه ملعبًا سعته 41 ألفًا. القرار بدا غريبًا عام 2008، وصار بعد ذلك النموذج الذي تحاول بقية الأندية الإيطالية تقليده منذ خمسة عشر عامًا دون أن تنجح. هذه المقالة تشرح أليانز ستاديوم في تورينو: كيف وُلد من فشل ملعب سابق، ولماذا يُعد أهم قرار اقتصادي في تاريخ النادي الحديث.

ديلي ألبي: الملعب الذي فشل

لفهم أليانز ستاديوم لا بد من فهم ما سبقه. بُني ملعب ديلي ألبي استعدادًا لكأس العالم 1990، وافتُتح في 31 مايو من ذلك العام بسعة تقارب 69 ألف متفرج، وبتكلفة بلغت نحو 200 مليون يورو.

كان الملعب ضخمًا وحديثًا على الورق، لكنه فشل من أول موسم. المشكلة الأساسية كانت مضمار ألعاب القوى الذي يفصل المدرجات عن أرضية الملعب، فيجعل المتفرج بعيدًا عن اللعب وبلا أي إحساس بالقرب.

النتيجة أن المدرجات ظلت فارغة في معظم المباريات، وغالبًا لم تمتلئ أكثر من ثلثها. وتقاسمه يوفنتوس وتورينو حتى 2006، ثم انتقل الفريقان إلى الملعب الأولمبي في المدينة بينما بدأ التفكير في مصير ديلي ألبي.

من الاستئجار إلى الملكية

الخطوة الحاسمة جاءت في مطلع الألفية، حين انتقلت ملكية ديلي ألبي من بلدية تورينو إلى يوفنتوس.

هذا التحول هو أصل القصة كلها. فالنموذج السائد في إيطاليا أن البلديات تملك الملاعب والأندية تستأجرها، ما يعني أن النادي لا يستطيع تعديل المبنى ولا استغلاله تجاريًا ولا تطويره وفق حاجته. وحين صار يوفنتوس مالكًا، صار قادرًا على اتخاذ قرار جذري.

الخيار الأول كان بناء ملعب جديد داخل الهيكل القائم مع استبدال المدرجات بأخرى أصغر وأقرب للأرضية. ثم تطورت الفكرة إلى هدم ديلي ألبي بالكامل وبناء ملعب جديد على مساحته. اعتُمد هذا التصور في فبراير 2008، ووصلت الجرافات في سبتمبر من العام نفسه.

البناء والافتتاح

بدأت الأعمال الإنشائية الرئيسية في يوليو 2009 وانتهت في أغسطس 2011، بتكلفة بلغت نحو 155 مليون يورو، أي أقل بنحو 45 مليون يورو مما كلّف ديلي ألبي قبل عقدين.

افتُتح الملعب في 8 سبتمبر 2011 بمباراة ودية أمام نوتس كاونتي الإنجليزي، وهو اختيار رمزي، لأن النادي الإنجليزي هو من ألهم يوفنتوس ألوان قميصه الأبيض والأسود في بداياته.

أما أول مباراة رسمية في الدوري الإيطالي فكانت أمام بارما في 11 سبتمبر 2011، وسجّل فيها ستيفان ليشتشتاينر أول هدف في تاريخ الملعب.

السعة والتصميم

تبلغ سعة الملعب نحو 41,500 مقعد، وهو رقم يضعه في المرتبة السادسة بين ملاعب إيطاليا رغم أن صاحبه أكثر الأندية تتويجًا في البلاد.

التصميم يقوم على فكرة واحدة: إلغاء المسافة. لا يوجد مضمار، والمسافة بين أرضية الملعب وأول صف من المقاعد تبلغ نحو 7.5 أمتار فقط، بينما لا تتجاوز المسافة إلى آخر صف في المدرج نحو 49 مترًا. في ديلي ألبي كانت هذه الأرقام أكبر بكثير.

أبعاد الأرضية 105 في 68 مترًا، ويضم المبنى 84 جناحًا للضيافة، وخُصص نحو 2,099 مقعدًا لجماهير الفريق الضيف.

وقد تولى التصميم المعماري كل من جينو زافانيلا وهيرناندو سواريز بمشاركة جورجيتو جوجيارو، فيما شارك في الهندسة الإنشائية فرانشيسكو أوسولا وماسيمو مايوفيتشي.

هل هو فعلًا أول ملعب مملوك لنادٍ إيطالي

هذه نقطة تستحق الدقة. الملعب يوصف عادة بأنه أول ملعب مملوك لنادٍ في إيطاليا، والأصح أنه أول ملعب حديث مملوك لنادٍ في الدوري الإيطالي الممتاز.

فقد سبقه ملعب افتُتح عام 1995 في ريجيو إميليا بُني بتمويل خاص لنادي ريجيانا، لكن النادي فقد ملكيته لاحقًا بسبب أزمات مالية، ولم يتحول إلى نموذج يُحتذى.

ما فعله يوفنتوس مختلف في الأثر لا في الأسبقية وحدها: ملعب مملوك، في نادٍ كبير، بحجم اقتصادي يكفي لإثبات جدوى الفكرة أمام بقية الدوري.

الأثر الاقتصادي

الرقم الأوضح في هذا الملف أن الملعب درّ على يوفنتوس أكثر من 800 مليون يورو منذ افتتاحه، بحسب ما نقلته الصحافة الإيطالية.

مصدر هذه الإيرادات ليس التذاكر وحدها. الملكية الكاملة تعني أن النادي يحتفظ بعائد الضيافة والمطاعم والمتاجر والفعاليات وحقوق التسمية، وهي بنود كانت تذهب سابقًا إلى البلدية أو إلى مشغّل خارجي.

وقد بيعت حقوق التسمية لشركة أليانز عام 2017، ليتحول اسم الملعب من "يوفنتوس ستاديوم" إلى "أليانز ستاديوم". ويسعى النادي حاليًا إلى توسيع استخدام المبنى خارج كرة القدم بهدف بلوغ إيراد سنوي لا يقل عن 100 مليون يورو.

إلى جانب الملعب يقع متحف النادي ومتجره الرسمي ومركز تجاري مغطى، أي أن المنطقة كلها مصممة لتعمل في غير أيام المباريات أيضًا.

عامل الأرض

الأثر لم يكن ماليًا فقط. في أول 100 مباراة له في الدوري على هذا الملعب، خسر يوفنتوس ثلاث مباريات فقط.

التفسير المتداول بسيط: ملعب صغير ممتلئ دائمًا ينتج ضغطًا أكبر من ملعب كبير نصف فارغ. المدرجات القريبة والانحدار الحاد ينقلان الصوت إلى أرضية اللعب بدل أن يتبدد في مساحة مفتوحة.

وقد سُجّل الرقم القياسي لحضور الملعب في مايو 2026 بواقع 41,676 متفرجًا في مباراة أمام فيورنتينا، أي ما يقارب السعة الكاملة.

مكانة أوروبية ومعايير فنية

يُصنَّف أليانز ستاديوم ضمن الفئة الرابعة في تصنيف الاتحاد الأوروبي للملاعب، وهي الفئة الأعلى، ولا يشاركه هذا التصنيف في إيطاليا سوى عدد قليل جدًا من الملاعب.

واستضاف الملعب مناسبات قارية بارزة، من بينها نهائي الدوري الأوروبي 2014، ونهائيات دوري الأمم الأوروبية 2021، ونهائي دوري أبطال أوروبا للسيدات 2022.

وفي ملف استضافة إيطاليا لبطولة أمم أوروبا 2032، كان أليانز ستاديوم الملعب الوحيد بين المرشحين الذي يستوفي المتطلبات كاملة دون الحاجة إلى أعمال كبرى، بينما تخوض بقية المدن سباقًا مع الوقت لتجديد ملاعبها.

الاستدامة

صُمم الملعب بمعايير بيئية متقدمة بمقاييس زمنه، وتشمل ألواحًا شمسية ونظامًا لتجميع مياه الأمطار.

وتشير التقديرات المنشورة إلى أن استهلاك الطاقة في المبنى أقل بنحو النصف مقارنة بما كان عليه ديلي ألبي، وهو فارق منطقي بين ملعب ضخم شبه فارغ وآخر أصغر ومصمم بكفاءة.

لماذا لم يوسّع النادي الملعب

مع تزايد الطلب على التذاكر، يتكرر السؤال: لماذا لا يزيد يوفنتوس السعة ما دام الملعب يمتلئ باستمرار؟

الإجابة تعود إلى فلسفة التصميم نفسها. الملعب بُني ليكون مضغوطًا وقريبًا من الأرضية، وإضافة طبقة جديدة تعني رفع المدرجات وإبعاد جزء من الجمهور، أي خسارة الميزة التي بُني من أجلها أصلًا.

وهناك اعتبار تجاري أيضًا. الملعب الممتلئ دائمًا يخلق ندرة ترفع أسعار التذاكر وتضمن بيع الاشتراكات الموسمية بالكامل، بينما الملعب الأكبر بنسبة إشغال أقل يعطي انطباعًا معاكسًا.

لذلك اتجه النادي إلى رفع العائد من المقعد الواحد بدل زيادة عدد المقاعد، عبر توسيع مساحات الضيافة وتطوير الخدمات الرقمية داخل المبنى.

أرقام سريعة عن أليانز ستاديوم

  • سنة الافتتاح: 2011

  • السعة: نحو 41,500 مقعد

  • التكلفة: نحو 155 مليون يورو

  • الملعب السابق: ديلي ألبي بسعة تقارب 69 ألفًا

  • المسافة إلى أول صف: 7.5 أمتار

  • أجنحة الضيافة: 84

  • الرقم القياسي للحضور: 41,676 في مايو 2026

ماذا يعني هذا النموذج لبقية أوروبا

خارج إيطاليا، يُستشهد بتجربة يوفنتوس في نقاش مختلف: هل السعة الكبيرة ميزة دائمًا؟

الإجابة التي يقدمها هذا الملعب أن السعة المناسبة هي التي يستطيع النادي ملأها في كل مباراة، لا أكبر رقم ممكن. الملعب الممتلئ بـ41 ألفًا ينتج إيرادات وأجواء وصورة تلفزيونية أفضل من ملعب بـ60 ألفًا يجلس فيه 35 ألفًا.

وهذه الحسبة تحديدًا هي ما يدفع أندية متوسطة في أوروبا اليوم إلى بناء ملاعب أصغر مما كانت تطمح إليه قبل عقدين، مع التركيز على جودة المرافق بدل عدد المقاعد.

الوصول والزيارة

يقع الملعب في الطرف الشمالي الغربي من تورينو، وتخدمه خطوط ترام وحافلات تصل من وسط المدينة، إضافة إلى محطة قريبة تحمل اسم الملعب.

وتُعد زيارة متحف النادي الملاصق للملعب من أكثر الأنشطة طلبًا، إذ يعرض كؤوس النادي ومقتنيات لاعبيه عبر أكثر من قرن، ويمكن دمجها مع جولة داخل الملعب.

الأجواء: ما ربحه الملعب وما خسره

الانتقاد الذي يوجَّه أحيانًا إلى أليانز ستاديوم أنه ملعب حديث بأجواء منضبطة أكثر من اللازم، بعيدًا عن الفوضى الحماسية التي تميز ملاعب إيطالية أخرى.

جزء من ذلك مقصود. الملعب صُمم بمعايير سلامة وراحة عالية، ونسبة الضيافة فيه مرتفعة، وهذه العناصر تنتج جمهورًا مختلفًا عن جمهور المدرجات التقليدية.

لكن القرب من الأرضية يعوّض جزءًا كبيرًا من ذلك. المسافة القصيرة تجعل الصوت يصل إلى اللاعبين مباشرة، وتجعل الأخطاء والتدخلات مسموعة في المدرجات، وهو ما لم يكن ممكنًا في ملعب بمضمار.

الدرس الذي لم تطبّقه بقية الأندية

منذ 2011 لم يتكرر النموذج في إيطاليا إلا نادرًا. أندية كبرى ما زالت تلعب في ملاعب مملوكة لبلدياتها، وبعضها لم يخضع لتحديث شامل منذ كأس العالم 1990.

السبب ليس غياب القناعة، بل صعوبة التنفيذ: الإجراءات التخطيطية الإيطالية بطيئة، والاعتراضات المحلية كثيرة، وقيود التراث تحمي مبانٍ لا يمكن هدمها بسهولة.

لهذا يبقى أليانز ستاديوم مرجعًا في كل نقاش إيطالي عن الملاعب: ملعب أصغر من سابقه بنحو 28 ألف مقعد، لكنه أنتج إيرادات ونتائج لم ينتجها الملعب الأكبر.



إرسال تعليق

0 تعليقات