ملعب دييغو أرماندو مارادونا: نابولي ومدينة كاملة على المدرجات

 

هناك طبقة كاملة في ملعب مارادونا مغلقة أمام الجمهور منذ أكثر من عشرين عامًا. عشرة آلاف مقعد تقريبًا، فارغة في كل مباراة، بسبب اهتزازات في الهيكل جعلت استخدامها غير آمن. إعادة فتح هذه الطبقة هي حجر الزاوية في مشروع تجديد بقيمة 200 مليون يورو، تراهن عليه المدينة لتصبح إحدى مدن استضافة بطولة أمم أوروبا 2032. هذه المقالة تشرح ملعب دييغو أرماندو مارادونا: تاريخه وسعته وأجواؤه، وما الذي سيتغير فيه قبل 2030.

الموقع والاسم

يقع الملعب في حي فوريغروتا غرب نابولي، وهو حي سكني كثيف يمنح أيام المباريات طابعًا خاصًا، إذ تتحول شوارعه إلى امتداد للملعب قبل ساعات من انطلاق اللقاء.

افتُتح الملعب عام 1959 باسم استاد سان باولو، وظل يحمل هذا الاسم أكثر من ستة عقود. وفي 4 ديسمبر 2020، بعد أيام من وفاة دييغو أرماندو مارادونا، أعلنت المدينة رسميًا تغيير اسمه إلى ملعب دييغو أرماندو مارادونا.

قرار التسمية لم يكن إجراءً بروتوكوليًا. مارادونا في نابولي ليس لاعبًا سابقًا فحسب، بل شخصية ترتبط بلحظة انتزعت فيها مدينة الجنوب لقبين محليين من أندية الشمال الغنية في الثمانينيات، وهي لحظة ما زالت حاضرة في وعي المدينة.

السعة الحالية

تبلغ السعة الرسمية للملعب نحو 54,726 مقعدًا، وهو من أكبر ملاعب إيطاليا رغم أن سعته تراجعت مرارًا عبر السنوات.

سبب التراجع هو التحديثات نفسها. فقد استُبدلت الحواجز المعدنية بأخرى زجاجية، وأُعيد ترتيب المقاعد وفق معايير السلامة الحديثة، وأُغلقت الطبقة الثالثة، فانخفض العدد من أكثر من 60 ألفًا إلى المستوى الحالي.

هذه مفارقة تتكرر في الملاعب القديمة: كل تحسين في السلامة والراحة يقلل عدد المقاعد، ما لم يرافقه توسيع هيكلي حقيقي.

المضمار: المشكلة الأقدم

أكبر عيب في الملعب ليس السعة بل المضمار. فهو ملعب متعدد الأغراض بُني بمضمار ألعاب قوى يفصل المدرجات عن أرضية اللعب.

النتيجة أن المتفرج في الصفوف الأمامية يجلس على مسافة كبيرة من خط التماس، وهو ما يضعف الأثر الصوتي ويقلل الإحساس بالقرب الذي تقوم عليه تجربة كرة القدم الحديثة.

ولهذا فإن أول بند في مشروع التجديد هو إزالة المضمار نهائيًا، وتمديد المدرج بحيث يصبح الصف الأول على مسافة تقارب سبعة أمتار من أرضية الملعب.

الأجواء: مدينة على المدرجات

رغم المسافة والمضمار، يبقى ملعب مارادونا من أكثر ملاعب أوروبا قدرة على إنتاج أجواء استثنائية، خصوصًا في المباريات الكبرى والليالي الأوروبية.

السبب ليس هندسيًا بل اجتماعي. علاقة نابولي بفريقها أقرب إلى الهوية منها إلى التشجيع، وتتضاعف حين يواجه الفريق أندية الشمال. وقد بلغ هذا الارتباط ذروته في مواسم التتويج الأخيرة، حين تحولت المدينة كلها إلى مساحة احتفال ممتدة لأسابيع.

هذا العامل تحديدًا هو ما يجعل مشروع التجديد حساسًا: المطلوب رفع مستوى المبنى دون إضعاف ما يميزه أصلًا.

الملعب في البطولات الكبرى

استضاف الملعب مباريات في كأس العالم 1990، وأشهرها مباراة نصف النهائي بين إيطاليا والأرجنتين، التي لعبها مارادونا ضد البلد الذي كان يلعب فيه أمام جمهور يعرفه جيدًا. حُسمت المباراة بركلات الترجيح لصالح الأرجنتين، وتحولت إلى واحدة من أكثر لحظات الملعب التباسًا في الذاكرة المحلية.

كما استضاف مباريات في بطولات قارية أخرى ومنافسات دولية متفرقة عبر العقود، إضافة إلى مباريات المنتخب الإيطالي.

أرقام سريعة عن ملعب مارادونا

  • سنة الافتتاح: 1959

  • الاسم السابق: استاد سان باولو حتى ديسمبر 2020

  • السعة الحالية: نحو 54,726 مقعدًا

  • السعة بعد التجديد: 63,300 وفق المشروع المعلن

  • الموقع: حي فوريغروتا غرب نابولي

  • الطبقة الثالثة: مغلقة منذ أكثر من عشرين عامًا

  • تكلفة المشروع: نحو 200 مليون يورو

مشروع التجديد: الأرقام

قُدّم المشروع رسميًا في مؤتمر صحفي يوم 4 أغسطس 2026، بحضور رئيس البلدية غايتانو مانفريدي ومستشار البنية التحتية إدواردو كوزينزا. وأبرز بنوده:

  • السعة: ارتفاع من 54,732 إلى 63,300 مقعد.

  • التكلفة: نحو 200 مليون يورو تستثمرها البلدية، مع مساهمة من إقليم كامبانيا في الصيغ المتداولة للمشروع.

  • المضمار: إزالة كاملة وتمديد المدرج نحو الأرضية.

  • الطبقة الثالثة: إعادة فتحها بعد معالجة مشكلة الاهتزازات.

  • السقف: تمديده بنحو 15 مترًا لتغطية مساحة أكبر من المدرجات.

  • الضيافة: 16 جناحًا لكبار الشخصيات، ومواقف سيارات تحت الأرض.

  • الاستدامة: أكثر من 5,300 متر مربع من الألواح الشمسية بإنتاج يتجاوز 1.75 مليون كيلوواط ساعة سنويًا، ونظام لإعادة تدوير أكثر من 25 مليون لتر من مياه الأمطار سنويًا.

  • الموعد: الجاهزية في 2030.

كيف يُنفَّذ المشروع دون إيقاف الموسم

التفصيل الأذكى في الخطة هو أسلوب التنفيذ. الأعمال ستجري على ثلاث مراحل، كل مرحلة تشمل نحو 8,000 مقعد، بحيث يواصل نابولي اللعب في الملعب طوال فترة البناء.

هذا الترتيب يحل المشكلة التي تواجه معظم مشاريع التجديد: أين يلعب الفريق أثناء العمل؟ الانتقال المؤقت إلى ملعب آخر يكلّف النادي إيرادات وجمهورًا وعامل أرض، وقد تصل خسائره إلى ما يقارب كلفة المشروع نفسه.

وقد بدأت الأعمال التحضيرية في الطبقة الثالثة فعليًا، وتشمل اختبارات هيكلية لتقنية التقوية المقترحة، للتأكد من أنها تعالج الاهتزازات التي أدت إلى إغلاق هذا القطاع.

سباق مدن يورو 2032

تستضيف إيطاليا بطولة أمم أوروبا 2032 بالشراكة مع تركيا، وتحتاج إلى تحديد خمس مدن مضيفة من بين عدد أكبر بكثير من المرشحين.

قدّمت إيطاليا في البداية قائمة موسعة تضم عشرات الملاعب، ثم اختُصرت إلى قائمة أولية، على أن يصدر القرار النهائي بشأن المدن الخمس بعد أكتوبر 2026. وتُقدَّر تكلفة مشاريع التجديد والبناء في هذه الملاعب مجتمعة بمليارات اليورو.

نابولي تقدّم ملفها بصفتها إحدى كبرى مدن البلاد، وقد سلّمت وثائق مشروعها إلى الاتحاد الإيطالي والاتحاد الأوروبي ضمن المهلة المحددة. وقد شدّدت السلطات المحلية على نقطة مهمة: الملعب سيُجدَّد سواء اختيرت نابولي مدينة مضيفة أم لا.

لماذا يهم رقم السعة هنا تحديدًا

في معظم الملاعب تكون زيادة السعة قرارًا تجاريًا. في نابولي هي قرار تنظيمي أيضًا.

فمعايير الاتحاد الأوروبي لاستضافة مباريات البطولات الكبرى تشترط حدودًا دنيا للسعة تختلف بحسب مرحلة المباراة، إضافة إلى متطلبات في مناطق الإعلام والضيافة ومداخل الطوارئ. وهذه المعايير هي التي تحدد ما إذا كان الملعب مؤهلًا أصلًا للدخول في السباق.

لذلك فإن إعادة فتح الطبقة الثالثة ليست رفاهية، بل الشرط الذي يجعل بقية الملف ممكنًا. ومن دونها يبقى الملعب أقل من الحد المطلوب لاستضافة المباريات الكبرى مهما تحسّنت مرافقه.

الخلاف مع النادي

ملف الملعب ليس محل توافق كامل بين البلدية والنادي. فرئيس نابولي أوريليو دي لورينتيس يطالب منذ سنوات ببناء ملعب جديد خاص بالنادي بدل تجديد المبنى القائم، انطلاقًا من المنطق نفسه الذي دفع أندية إيطالية أخرى إلى امتلاك ملاعبها.

في المقابل، ترى البلدية أن ملعب مارادونا أصل عام يخص المدينة، وأن تجديده أسرع وأقل كلفة من بناء ملعب جديد من الصفر، خصوصًا مع ضيق الوقت قبل 2032.

وقد أُشير إلى أن اتفاق استخدام الملعب ينتهي في موسم 2027-2028، مع توقع تمديده، لأن النادي لن يمتلك ملعبًا بديلًا بحلول ذلك التاريخ.

حي فوريغروتا يوم المباراة

تجربة الملعب في نابولي تبدأ خارجه. في يوم المباراة تتحول شوارع فوريغروتا إلى امتداد للمدرجات: أكشاك الأوشحة، وباعة الطعام في الأرصفة، وأعلام معلقة بين الشرفات.

هذا الطابع ليس ديكورًا سياحيًا، بل نتيجة موقع الملعب داخل حي سكني كثيف. ولهذا فإن أي مشروع تجديد يمس المنطقة المحيطة يثير نقاشًا محليًا يتجاوز كرة القدم إلى المواقف والضوضاء وحركة المرور.

ويتضمن المشروع المعلن مساحات خضراء ومواقف جديدة حول الملعب، في محاولة للموازنة بين توسيع المبنى وتخفيف أثره على السكان.

الوصول والزيارة

يقع الملعب قرب محطتي قطار في منطقة فوريغروتا، وتخدمه خطوط مترو وسكك حديدية محلية تصل من وسط نابولي خلال دقائق، وهو ما يجعل الوصول إليه أسهل من كثير من الملاعب الإيطالية.

ويتضمن المشروع الجديد إنشاء مساحة عرض دائمة مخصصة لإرث مارادونا داخل الملعب، إلى جانب مساحات تجارية موسّعة وشريط شاشات متصل حول المدرجات.

ما الذي يجعل هذا المشروع مختلفًا

معظم مشاريع الملاعب في إيطاليا تتعثر في مرحلة التمويل أو التصاريح. ما يميز مشروع مارادونا أنه يتجنب أصعب عقبتين: لا يحتاج أرضًا جديدة، ولا يحتاج نقل الفريق إلى ملعب مؤقت.

العقبة المتبقية هي تقنية بحتة: هل تنجح تقنية التقوية في معالجة اهتزازات الطبقة الثالثة؟ إذا نجحت، يحصل الملعب على نحو عشرة آلاف مقعد إضافية دون بناء هيكل جديد. وإذا فشلت، يفقد المشروع أهم بنوده.

ولهذا بدأت البلدية بالاختبارات الهيكلية قبل أي عمل آخر، لأن نتيجتها تحدد جدوى بقية المراحل.

الخلاصة

ملعب مارادونا اليوم مبنى من الستينيات يحمل اسم لاعب من الثمانينيات، ويستضيف فريقًا يلعب بمعايير العشرينيات من هذا القرن. الفجوة بين هذه الأزمنة هي بالضبط ما يحاول مشروع التجديد إغلاقه.

والسؤال الذي سيُحسم خلال السنوات الأربع المقبلة ليس ما إذا كان الملعب سيتغير، بل من سيملكه في النهاية: مدينة تعتبره جزءًا من هويتها، أم نادٍ يريد أصلًا يديره بنفسه.


إرسال تعليق

0 تعليقات