لم يُبنَ ملعب الاتحاد لكرة القدم. افتُتح عام 2002 كملعب ألعاب قوى بمضمار يحيط بأرضيته وسعة 41 ألف مقعد، لاستضافة ألعاب الكومنولث. وبعد انتهاء الدورة، أُزيل المضمار وخُفضت الأرضية وأُعيد بناء المدرجات، ليتحول المبنى إلى ملعب كرة قدم. هذه المقالة تشرح ملعب الاتحاد: كيف وُلد من مشروع حكومي، وكيف تضاعفت سعته ثلاث مرات، وأين وصل مشروع التوسعة الأخير.
ملعب لم يُبنَ لناديه
بدأت فكرة الملعب قبل عقود، ضمن سعي مدينة مانشستر لاستضافة دورة الألعاب الأولمبية. فشلت المحاولة الأولمبية، لكن المدينة نجحت في الفوز باستضافة ألعاب الكومنولث عام 2002، فبُني الملعب لهذا الغرض بين 1999 و2002.
افتُتح رسميًا في 25 يوليو 2002 بحفل افتتاح الدورة. وبعد انتهائها بدأت عملية التحويل: إزالة مضمار ألعاب القوى، وخفض مستوى أرضية اللعب لإضافة صفوف مقاعد جديدة أسفل المدرجات القائمة، وإعادة تشكيل أحد الجوانب بالكامل.
أعيد افتتاحه كملعب كرة قدم في 10 أغسطس 2003، وانتقل إليه مانشستر سيتي من ملعبه التاريخي مين رود.
الملكية: البلدية تملك والنادي يشغّل
من أهم التفاصيل التي تميز ملعب الاتحاد عن معظم ملاعب الدوري الإنجليزي أن مالكه الرسمي هو مجلس مدينة مانشستر، بينما يتولى مانشستر سيتي تشغيله بموجب عقد طويل الأمد.
هذا الترتيب نتيجة طبيعية لكون الملعب مشروعًا عامًا في الأصل، ومُوّل جزئيًا بأموال عامة لاستضافة حدث رياضي دولي.
عمليًا، النادي هو الذي ينفق على التطوير ويجني إيرادات التشغيل، لكن أي مشروع توسعة يمر عبر ترتيبات مع البلدية، وهو ما يضيف طبقة إدارية لا توجد في الملاعب المملوكة بالكامل للأندية مثل ملعب توتنهام.
الاسم التجاري "ملعب الاتحاد" معمول به منذ 2011 بموجب اتفاق رعاية مع شركة طيران الاتحاد، بينما يبقى الاسم الرسمي للمبنى ملعب مدينة مانشستر.
السعة عبر المراحل
قليل من الملاعب الأوروبية تغيّرت سعتها بهذا القدر خلال عقدين. المراحل كانت كالتالي:
2002: 41,000 مقعد في تكوين ألعاب القوى خلال دورة الكومنولث.
2003: نحو 47,400 مقعد بعد التحويل إلى ملعب كرة قدم.
2015: 55,100 بعد إضافة طبقة ثالثة فوق المدرج الجنوبي بنحو 7,000 مقعد، صُممت بواسطة مكتب بوبيولوس.
2026: أكثر من 61 ألف مقعد بعد توسعة المدرج الشمالي، بسعة رسمية تبلغ نحو 61,038 للمباريات المحلية.
الرقم القياسي للحضور في الملعب سُجّل في 24 مايو 2026 بواقع 60,332 متفرجًا، في المباراة أمام أستون فيلا التي شهدت التشغيل الكامل للمدرج الجديد.
توسعة المدرج الشمالي ومدرج بيب جوارديولا
بدأت أعمال المشروع فعليًا في خريف 2023، بتكلفة تقديرية بلغت 300 مليون جنيه إسترليني، وبتصميم من مكتب بوبيولوس وتنفيذ شركة سيسك.
المدرج الشمالي كان قبل التوسعة المدرج الوحيد في الملعب بطبقتين فقط، فجاء المشروع ليضيف طبقة علوية واحدة كبيرة تضم أكثر من 7,000 مقعد عادي، إضافة إلى نحو 3,000 مكان وقوف آمن ضمن التكوين الجديد.
أُطلق على المدرج بعد التوسعة اسم مدرج بيب جوارديولا، تكريمًا للمدرب الذي ارتبط اسمه بأنجح حقبة في تاريخ النادي.
سار الافتتاح على مراحل. أقام النادي فعالية تجريبية بنصف السعة في أبريل 2026 للتحقق من إجراءات التشغيل، ثم فُتح المدرج بكامل طاقته في المباراة الأخيرة من موسم 2025-2026.
ميدلوك سكوير: ما حول الملعب
أهم ما يميز هذا المشروع أنه لم يقتصر على المقاعد. المخطط الموسّع يشمل بناء منطقة ترفيهية وتجارية متصلة بالملعب تحمل اسم ميدلوك سكوير، وتضم:
منطقة جماهيرية مغطاة تتسع لنحو 3,000 شخص.
متحف جديد للنادي ومتجر رسمي موسّع.
مجموعة من المطاعم ومنافذ الأطعمة والمشروبات.
فندق باسم "ذا ميدلوك" يضم نحو 400 غرفة، تديره مجموعة راديسون.
بار علوي يطل على أرضية الملعب، وتجربة مشي على سطح الملعب.
الفكرة وراء هذا التوسع واضحة: تحويل الملعب من مبنى يعمل مرة كل أسبوعين إلى وجهة تعمل طوال العام. وهو النموذج نفسه الذي تتجه إليه أندية كبرى أخرى في أوروبا.
ووفق الجدول المعلن، يكتمل الجزء المتبقي من المشروع — الفندق والمساحات العامة — قبل نهاية 2026.
مين رود: الملعب الذي غادره سيتي
قبل الانتقال عام 2003، لعب مانشستر سيتي في ملعب مين رود منذ 1923.
كان مين رود ملعبًا ضخمًا بمقاييس زمنه، واستضاف أعدادًا قياسية من الجماهير في مباريات كأس الاتحاد خلال الثلاثينيات. كما استضاف مباريات مانشستر يونايتد بعد تضرر أولد ترافورد في الحرب العالمية الثانية، في فصل نادر من التعاون بين الجارين.
لكن الملعب تقادم، وكانت مدرجاته غير متجانسة بعد سلسلة من التعديلات المتفرقة، وسعته بعد التحول إلى المقاعد لم تعد تكفي. ومع توفر ملعب حديث مبني بأموال عامة على بعد كيلومترات، صار الانتقال قرارًا منطقيًا. هُدم مين رود عام 2003، وتحوّل موقعه إلى منطقة سكنية.
الملعب في البطولات والفعاليات
إلى جانب دورة ألعاب الكومنولث، استضاف الملعب نهائي كأس الاتحاد الأوروبي عام 2008، ومباريات لمنتخب إنجلترا، ومنافسات في كرة القدم ضمن أولمبياد لندن 2012.
كما يستضيف بانتظام حفلات موسيقية كبرى في فترة الصيف، وهي فعاليات تمثل مصدر دخل إضافيًا للنادي، لكنها تفرض ضغطًا على الأرضية يتطلب أعمال صيانة بين موسم وآخر.
أرقام سريعة عن ملعب الاتحاد
الاسم الرسمي: ملعب مدينة مانشستر
الافتتاح: 2002 لألعاب القوى، و2003 لكرة القدم
المالك: مجلس مدينة مانشستر
السعة الحالية: نحو 61,038
الرقم القياسي للحضور: 60,332 في مايو 2026
تكلفة التوسعة الأخيرة: نحو 300 مليون جنيه إسترليني
الأرضية: ديسو غراسماستر بأبعاد 105 في 68 مترًا
الأجواء والانتقادات
يواجه ملعب الاتحاد انتقادًا متكررًا يتعلق بالأجواء، ومصدره غالبًا مقارنته بملاعب أقدم مثل أنفيلد أو سانت جيمس بارك.
جزء من التفسير يعود إلى أصل التصميم. الملعب صُمم في الأساس لألعاب القوى، وهو ما جعل المدرجات في نسخته الأولى أبعد نسبيًا عن أرضية اللعب مقارنة بالملاعب المبنية لكرة القدم مباشرة، رغم أن عملية التحويل قرّبت الصفوف السفلية.
أما التغيير الأبرز في هذا الملف فهو عودة الوقوف الآمن. مناطق الوقوف تجمع الجمهور الأكثر حماسًا في كتلة واحدة، وهو ما أثبت فاعليته في ملاعب ألمانية ثم بريطانية خلال السنوات الأخيرة.
في المقابل، يملك الملعب ميزة يعترف بها الزوار: جودة الرؤية من معظم المقاعد، وسهولة الدخول والخروج مقارنة بملاعب أقدم محشورة داخل أحياء ضيقة.
الوقوف الآمن وعودة الصوت
من أهم ما رافق التوسعة الأخيرة اعتماد مناطق الوقوف الآمن على نطاق أوسع داخل الملعب.
الفكرة بسيطة: صفوف مزوّدة بحواجز أمامية تسمح للجمهور بالوقوف طوال المباراة دون خطر التدافع الذي أنهى حقبة مدرجات الوقوف القديمة في بريطانيا. وقد بدأت التجربة في الدوري الإنجليزي بشكل محدود قبل أن تتوسع تدريجيًا.
أثرها على الأجواء ملموس لأن الوقوف يجمع الجمهور الأكثر حماسًا في كتلة واحدة، ويقلل الاحتكاك المعتاد بين من يريد الوقوف ومن يريد الجلوس في المقاعد العادية.
الملعب كجزء من حي كامل
ما يميز نموذج مانشستر سيتي أن الملعب ليس مبنى منفردًا، بل مركز مجمع متكامل يضم ملاعب التدريب وأكاديمية النادي ومقر العمليات، إضافة إلى قاعة ترفيهية كبرى قريبة.
هذا التجميع يقلل التكاليف التشغيلية ويجعل الانتقال بين مرافق النادي داخليًا، كما يمنح المنطقة حركة دائمة بدل أن تنشط كل أسبوعين فقط.
وهو أيضًا نموذج التجديد الحضري الذي تستشهد به مدن أخرى: منطقة صناعية متروكة شرق المدينة تحولت خلال عشرين عامًا إلى وجهة رياضية وترفيهية، مع ما يرافق ذلك من نقاش محلي حول أسعار العقارات وأثر التطوير على السكان الأصليين.
الموقع والوصول
يقع الملعب شرق مركز مدينة مانشستر، ضمن ما يُعرف بحي الاتحاد الرياضي، وهي منطقة صناعية سابقة تحولت إلى مجمع رياضي متكامل يضم أيضًا ملاعب تدريب النادي وأكاديميته وقاعة ترفيهية كبرى.
تخدم الملعب محطتا ترام على شبكة مترولينك، وتبعدان دقائق سيرًا عن البوابات، إضافة إلى مسار مشي من وسط المدينة يستغرق نحو نصف ساعة.
أرضية الملعب من نوع ديسو غراسماستر الهجين، وأبعادها 105 في 68 مترًا، ويضم المبنى نحو 70 جناحًا للضيافة.
ماذا تعني السعة الجديدة لأسعار التذاكر
زيادة السعة لا تعني بالضرورة تذاكر أرخص، لكنها تعني تذاكر أكثر توفرًا.
خصص النادي الجزء الأكبر من المقاعد الجديدة لحاملي تذاكر الموسم، مع طرح أكثر من 4,000 تذكرة موسمية مرنة قبل موسم 2026-2027. والتذكرة المرنة صيغة وسيطة تتيح حضور عدد محدد من المباريات بدل الموسم الكامل، وهي محاولة للتعامل مع جمهور لا يستطيع الالتزام بكل مباراة.
وقد بيع أكثر من 3,500 تذكرة في المدرج الجديد خلال أقل من ساعة قبل مباراة الافتتاح، وهو مؤشر واضح على أن الطلب كان أكبر من السعة القديمة.
ما بعد التوسعة
مع اكتمال المشروع، ينتقل ملعب الاتحاد إلى فئة الملاعب الإنجليزية التي تتجاوز 60 ألف مقعد، وهي فئة كانت تقتصر على عدد محدود جدًا من الملاعب قبل سنوات.
لكن السباق مستمر حوله. مانشستر يونايتد يخطط لملعب بسعة 100 ألف، ونيوكاسل يدرس توسعة سانت جيمس بارك، وآرسنال يبحث تجاوز 70 ألفًا، وليدز يعمل على إيلاند رود. المنافسة على إيرادات يوم المباراة صارت مشروع بناء موازيًا لمشروع الفريق.
وما يميز نموذج مانشستر سيتي أنه اختار التوسعة التدريجية بدل البناء من الصفر: ثلاث مراحل خلال عشرين عامًا رفعت السعة من 41 ألفًا إلى أكثر من 61 ألفًا، دون أن يضطر النادي لمغادرة ملعبه يومًا واحدًا.
0 تعليقات